« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: وفاة و الدة الاخ نادر الشريف الرحال احدى مؤسسى المنتدى (آخر رد :فراشه الربيع)       :: مختارات الجمعة الأسبوعية 2014_1435 (آخر رد :ود عباس)       :: ( تعالوا نعالج بعضنا)..فالحكومة تشغلها الفضائيات..!! (آخر رد :عاشق التاكا)       :: علامات ليلة القدر (آخر رد :ابومفاز)       :: خطبة الجمعة من مسجد أمانة معاذ بيرمنجهام والشيخ الدكتور ونيس المبروك من ليبيا (آخر رد :بشرى مبارك)       :: رمضان كريم (آخر رد :gadoahmed)       :: لماذا تصمتين ؟ (آخر رد :ابومفاز)       :: شبحٌ يسكن في دارنا ! (آخر رد :أبو المعالي)       :: حكم زيارة المقابر يوم العيد والاستغاثة بهم (آخر رد :أبو المعالي)       :: للتواصل حضور و غياب و تحايا دعوة للتواصل من جديد (آخر رد :ود النيلين)      


Go Back   منتديات سوداني للأبد > ][§¤°~^™ المنتديات الإدارية ™^~°¤§][ > إرشيف سوداني للأبد > إرشيف المنتديات العامة للمواضيع القديمة .

إرشيف المنتديات العامة للمواضيع القديمة . إرشيف لجميع أنواع المواضيع القديمة التي توقفت فيها الردود لجميع أقسام ومنتديات المنتدى العام عدا المنبر الإسلامي

 
 
Thread Tools
Old 20-10-2007, 01:45 AM   #31
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

كان أستاذ عساكر، رغم جربنديته مخرجاً موهوباً، فعقب التدريبات والبروفات الأولية التي لم تكلفه طويل وقت بسبب مواهب ممثليه العالية، قام بإدخال الكثير من المشاهد الإستعراضية. واستشف أهمية ضبط المسرحية من خلال أرضية إقاعية مصاحبة ـ كما في الموسيقى التصويرية في الأفلام. فجمع مجموعة من الاسطوانات واستعان بفرقة أفريقيا الجديدة لعمل الإضافات الضرورية والكولاجات المطلوبة. وبذلك تم إدخال فرقة أفريقيا كلها في المسرحية.

إنتهى أستاذ عساكر من كل تلك التجهيزات التي لم يكن يعرف رأي علم المسرح ـ الدراماتولوجيا كما يقول المثقفون ـ فيها. ولكنه كان مستنداً على أساس "أن الفن هو في المقام الأول )حدس الفنان(". وقبيل إحدى البروفات كان يفكر، فخطرت بباله مشكلة متعلقة بمود mood الجمهور. هذا السؤال لم يخطر بذهنه من قبل، ولكنه ـ كمدرس ـ يعرف أن الناس أحياناً لا ينفعلون بالأشياء لا لسبب إلا لعدم إستعدادهم النفسي لحظتها. وقد ساقه هذا التفكير إلى اختراع مشهد استعراضي تمهيدي يجعل المسرحية (مستقلة) عن تأثير أي ظرف خارجي غير موات محتمل، وبالتالي أن تصنع موودها بنفسها؛ الأمر الذي دعاه للاستعانة بعدد آخر من الممثلين الثانويين. وقد كلفه ذلك أيام أخرى من التدريبات والبروفات.

لم يعد الكثيرون من (حضرة الندى)، وحالة التماهي والدوار الذي صنعه صوت ندى الشروق، واستُدرجت الذكريات من منابعها الأولى ـ مأساة الوداع ـ واستدارت حالة الشغف إلى ما كانت تخطو في دروبه ذكريات الماضي القريب الأليمة. المتواطئة مع الأغنية والصوت واللحظة.

...

والآن سيداتي سادتي، مع الفقرة التي انتظرتموها طويلاً؛ مع المدرسة الشرقية ومسرحية الشماشة.

عاد الصفير والهتاف مصحوباً بـ(نج نج ..) وتقافز بعض المتقافزين.

أطفئت كل أنوار المكان ـ ولم يحدث ما كان يقلق مدير الأميرية. وقد ساد الهدوء والصمت المكان والزمان. صوت النورمال جيتار يوقع تقاسيم "عزة في هواك". طويت الستارة. ودخلت عيون المشاهدين إلى خشبة المسرح وصافحت ألوان علم الوطن على ضوء البطاريات من أعلى سقف المسرح. أنفردت الشرائط الملونة مع تقاسيم "عزة في هواك" وتطور المشهد إلى بانوراما البلد:

مزارعون بعراريقهم، يحرثون بأدواتهم أرض الحقول ويغنون. عمال يكسرون الصخر ينشدون ..

باعة متجولون

طوابيرعسكرية

تجار ومسئولون

ولكن أكثر ما شد انتباه المشاهدين، هو الشخص الذي يمثل دور الحمار وينهق كمثله تماماً! وعلى ظهره الرجل (أبوعميمة) الفرِح كأنما هو سائق لعربة من نوع العربات التي بدأت تظهر في البلاد في تلك الأيام..

أسدلت الستارة واستمرت تقاسيم (عزة في هواك) خفيضاً خفيضا..

في المشهد الثاني:

صهيل. صهيل!

طاخ.. طراخ... بنادق... رعب.. مثل أفلام ديجانقوا؟

إنزاحت الستارة، وظهر في طرف الخشبة رجل ذو عمامة كبيرة بصحبة جماعة من الناس الذين شاهدهم الجمهور في المشهد السابق. الشرطي بسوطه والبندقية يغذ بهم السير. ظهر في آخر الطابور الرجل أبو عميمة وقد ثقل عليه حمله بعد أن فقد حماره! فتعثر وسقط. ولما ضربه الشرطي أضطر لترك جزء من حمله على قارعة الطريق. (عزة ف هواك) تعلو.. وتعلو ثم تحرك تحت القماش الملقى شئ!! ظهر أنه صبي، وبدأ يزحف! تركزت عليه الأضواء مع تقاسيم (عزة في هواك). وبالقرب جزع الشجرة (الكرتون) خفتت الأضواء قليلاً قليلاً، ثم انطفات ثم عادت تدريجياً كناية عن تعاقب الليل والنهار! كان المارة يمرون، يتبادلون التحايا والإشاعات، بعضهم متوحد يكلم نفسه! ثم مر عدد من (الشماشة) يتقافزون وهم يعيدون سيرة فيلم أمبارح، فيلم (أمبارح) بتاع (جاكي شان). تاح.. تراح.. ولما كانوا يتجولون (بلا أهداف معلنة) ـ كما يقال ـ في تلك الساعة من اليوم، فقد حاولوا تسلق الشجرة كجزء من العبث.. لكنهم انتبهوا إلى وجود الرفيق الجديد! ركلوه بأرجلهم فلم يتحرك! أخرجوا (الصمنج منج) وضربوه، فتحرك قليلاً ثم غفا!!

جرى رينقو وأخبر أبوطويلة (زعيم الشماشة) بحكاية الرفيق الجديد. جاء أبوطويلة ماشياً بطريقة أبطال السينما، وصاح فيهم:

ـ في شنو يا (خولات)!؟

ولم يكن ذلك سؤالاً، وإنما أمراً بإفساح الطريق كما فهموا جميعاً.

جلس أبوطويلة عاكفاً رجله اليسرى، وجسه، فلاحظ أن رجليه رقيقتان أكثر من الطبيعي! قال:

ـ دة (كَرْجَوِيْل)!

يقصد انه كسيح، مشبهاً إياه بالجحش ذو الأرجل الملتوية! ومنذ تلك اللحظة صار اسم الرفيق الجديد (كرجويل)، ولم يُعرف بعد ذلك اسمه الحقيقي! فهنا لا يسأل أحد عن مثل هذه الأشياء!

أصلح أبوطويلة جلسته على رجله الأخرى، ووضع سبابته على صدغة كما يفعل الأبطال في السينما عندما يكونون في حالة تفكير.

ومن داخل حلبة الصمت تلك اقترح عليه هبّاش أن (يعملوا فرتِك) ـ أي أن يهربوأ ويتركوه ـ ولكن أبوطويلة زجره قائلاً:

ـإنت (لوطي) في راسك؟ واضطر الممثل للإشارة هنا مثلما هناك.

ولما توصل أبوطويلة إلى النتيجة النظرية، ووضع على أساسها خطة في رأسه، أمر رينقو والزنجي قائلاً:

ـ "عضَّة جَبِدْ". يلاّ، تلقونا هناك في (القرقف).. ما أكتر من دقائق يل لوايطة. دة جعان يلا قبّال يموت.

شمر رينقو والزنجي أكمامهم المهترئة، وأداروا عربات خرافية في رؤوسهم وطاروا..

فحمل أبوطويلة الرفيق كرجويل على كتفه وغادروا المكان.

ستارة




سودانى اصيل is offline  
Old 20-10-2007, 01:46 AM   #32
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

المشهد التالي في السوق. التاجر عبدالفراج. بعمامته الكبيرة جالساً على كرسية يتحدث:

ـ لا .. على الطلاق تفطر معانا.. لا أنا حلفت..

وفي تلك اللحظة كان صاحب مطعم (الكواكب) يطارد رينقو والزنجي قائلاً:

ـ يلا من هنا يا أولاد الكلب.. الليلة ما فيش (كرتة)... طفشتوا لينا الزبائن! والله الواحد إلا يأجر ليهو بوليس عشان يوديكم في داهية.

وهما جاريان من تلك اللعنة، سمعا (حليفة) عبد الفراج التاجر.

فأشّر رينقو للزنجي إشارة النصر، ففهمها (على الطائر) وقال:

"أحسن محلة في الخور الجنب بيتم داك".

ستارة



كان يمكن أن يكون هذا المشهد عادياً كبقية المشاهد، لكنه هذه المرة كان محفوفاً بالبهار! فرغم جماليات العرض إلا أن انتظاراً خفياً كان لهذا المشهد بالذات، الذي فيه بؤرة التركيز لسيرة أولاد قرف في المدينة. وخاصة (أم المدائن)؛ الأميرية. وقد أبدع أستاذ عساكر (المخرج) في استغلال وتوظيف الظرف. ولما كان هذا المشهد مرتجلاً في المرة السابقة. فقد اعتنى به المخرج، وأضاف إليه شيئاً من التشويق: وقد رأي أن يظهر الممثل هذه المرة بحجمه الحقيقي على خشبة المسرح. بدأ المشهد والستارة مغلقة بالحوار التالي بين زوجة التاجر وإبنها خالد:

ـ خالد.. يا خالد..

ـ أيوة يا موما ـ قالها بدلع.

ـ إنت خلاص فطرت؟

ـ أيوة ياموما.. قالها بعصبية.

ـ خلاص تعال وإنت راجع المدرسة، خد الفطور دة وصِّله معاك لأبوك في السوق..

ـ ما توديه الخدامة يا موما؟!

ـ خدامة الجن دي الليلة قالت عيانة، والله أنحنا تعبنا معاها!!

ـ طيب يا موما ما تديهو لهشام يوديهو؟

ـ هشام دة الليلة شال فطورو معاهو.. قال عندهم حصة بساتين في وكت الفطور!

ـ أووف. خلاص.

ومع وقع اقدام خالد عبد الفراج تزاح الستارة ويظهر حاملاً (عمود) الفطور.

صفير.. صفير. نج.. نج

ويمشي من طرف المسرح نظيفاً أنيقاً.. فهاج الجمهور. وخلطت الكثيرات بين الذي في رؤسهن والممثل. كان يدندن بأغنية لم يستبنها أحد.

إيقاع الكشكوش يصاحب وقع أقدام رينقو والزنجي وهما يتربصان به. وبعد أن تبادلا إشارة الهجوم، انطلقا. وفي وسط المسرح اصطدم به رينقو وقام الزنجي بخطف العمود وأطلقا ساقيهما للريح! وتركاه ساقطاً من مفاجأة الهجمة. هناك وراء الجمهور، كان الشماشة (الحقيقيين) يزعقون لبهجة الإنتصار ـ بد أن عادوا عقب أن قام البوليس بطردهم من مكان الإحتفال بحجة أنهم (بتاعين جبد)؛ نشالين، ورغم محاولات جو لإقناعه بحقهم في الحضور وأنه هو الذي دعاهم لمشاهدة المسرحية التي تخصهم، إلا أن البوليس أصر!!

وفي المقابل لبهجة الشماشة الحقيقيين بالمشهد. كانت اللعنات قد صُبّت عليهم من قبل عاشقات خالد عبد الفراج. وقد أسرت إحداهن لجارتها، أن لديها رغبة في أن تمسح عنه الغبار بطرحتها. وأصرت هي الأخرى أنه كان من المفروض في المسرحية أن تظهر(النج بتاعتو) في تلك اللحظة كما يحصل في الأفلام الهندية..

"آآخ.. لو كدة، كنت أنا لازم أمثل الدور دة".

وكانت تلك هي بالضبط فكرة أولاد قرف في المؤامرة التي أحبطها المنطق السائد!!

ستارة



سودانى اصيل is offline  
Old 20-10-2007, 01:48 AM   #33
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

المشهد التالي في السوق. التاجر عبدالفراج. بعمامته الكبيرة جالساً على كرسية يتحدث:

ـ لا .. على الطلاق تفطر معانا.. لا أنا حلفت..

وفي تلك اللحظة كان صاحب مطعم (الكواكب) يطارد رينقو والزنجي قائلاً:

ـ يلا من هنا يا أولاد الكلب.. الليلة ما فيش (كرتة)... طفشتوا لينا الزبائن! والله الواحد إلا يأجر ليهو بوليس عشان يوديكم في داهية.

وهما جاريان من تلك اللعنة، سمعا (حليفة) عبد الفراج التاجر.

فأشّر رينقو للزنجي إشارة النصر، ففهمها (على الطائر) وقال:

"أحسن محلة في الخور الجنب بيتم داك".

ستارة



كان يمكن أن يكون هذا المشهد عادياً كبقية المشاهد، لكنه هذه المرة كان محفوفاً بالبهار! فرغم جماليات العرض إلا أن انتظاراً خفياً كان لهذا المشهد بالذات، الذي فيه بؤرة التركيز لسيرة أولاد قرف في المدينة. وخاصة (أم المدائن)؛ الأميرية. وقد أبدع أستاذ عساكر (المخرج) في استغلال وتوظيف الظرف. ولما كان هذا المشهد مرتجلاً في المرة السابقة. فقد اعتنى به المخرج، وأضاف إليه شيئاً من التشويق: وقد رأي أن يظهر الممثل هذه المرة بحجمه الحقيقي على خشبة المسرح. بدأ المشهد والستارة مغلقة بالحوار التالي بين زوجة التاجر وإبنها خالد:

ـ خالد.. يا خالد..

ـ أيوة يا موما ـ قالها بدلع.

ـ إنت خلاص فطرت؟

ـ أيوة ياموما.. قالها بعصبية.

ـ خلاص تعال وإنت راجع المدرسة، خد الفطور دة وصِّله معاك لأبوك في السوق..

ـ ما توديه الخدامة يا موما؟!

ـ خدامة الجن دي الليلة قالت عيانة، والله أنحنا تعبنا معاها!!

ـ طيب يا موما ما تديهو لهشام يوديهو؟

ـ هشام دة الليلة شال فطورو معاهو.. قال عندهم حصة بساتين في وكت الفطور!

ـ أووف. خلاص.

ومع وقع اقدام خالد عبد الفراج تزاح الستارة ويظهر حاملاً (عمود) الفطور.

صفير.. صفير. نج.. نج

ويمشي من طرف المسرح نظيفاً أنيقاً.. فهاج الجمهور. وخلطت الكثيرات بين الذي في رؤسهن والممثل. كان يدندن بأغنية لم يستبنها أحد.

إيقاع الكشكوش يصاحب وقع أقدام رينقو والزنجي وهما يتربصان به. وبعد أن تبادلا إشارة الهجوم، انطلقا. وفي وسط المسرح اصطدم به رينقو وقام الزنجي بخطف العمود وأطلقا ساقيهما للريح! وتركاه ساقطاً من مفاجأة الهجمة. هناك وراء الجمهور، كان الشماشة (الحقيقيين) يزعقون لبهجة الإنتصار ـ بد أن عادوا عقب أن قام البوليس بطردهم من مكان الإحتفال بحجة أنهم (بتاعين جبد)؛ نشالين، ورغم محاولات جو لإقناعه بحقهم في الحضور وأنه هو الذي دعاهم لمشاهدة المسرحية التي تخصهم، إلا أن البوليس أصر!!

وفي المقابل لبهجة الشماشة الحقيقيين بالمشهد. كانت اللعنات قد صُبّت عليهم من قبل عاشقات خالد عبد الفراج. وقد أسرت إحداهن لجارتها، أن لديها رغبة في أن تمسح عنه الغبار بطرحتها. وأصرت هي الأخرى أنه كان من المفروض في المسرحية أن تظهر(النج بتاعتو) في تلك اللحظة كما يحصل في الأفلام الهندية..

"آآخ.. لو كدة، كنت أنا لازم أمثل الدور دة".

وكانت تلك هي بالضبط فكرة أولاد قرف في المؤامرة التي أحبطها المنطق السائد!!

ستارة

في هذا المشهد تجلت ـ مرة أخرى ـ عبقرية المخرج الذي استعمل الستارة نفسها كجزء من العرض. حيث ظهر صف السينما الطويل لمشاهدة فيلم (إر المضر) المعلن على اللافتة. أُتُخذت نقطة تلاقي طرفي الستار شباكاً للتذاكر. والصف يزحف قليلاً قليلاً، ظهر أبوطويلة حاملاً كرجويل على كتفه ووراءه المليشيا ـ فهو الذي يتكفل بقطع التذاكر، ويوزعها عليهم، ويتكفل بما ينجم من شاجرات كما يعرف الناس جميعاً.

بعد الدخول، تزاح الستارة. وتبدأ (المناظر) بخيال الظل. تعزف الموسيقى، ويرقص رينقو أما الضوء الصادر من ورائه رقصة (جكجك جك). تظهر رقصته على حائط المسرح (الشاشة). ثم تضاء الأنوار في إنتظار الفيلم.

يقف الشماشة أمام مشاهدي الفيلم، ومع موسيقى (الجالوه) يقدمون عرضاً راقصاً أثمل جمهور المشاهدين. ثم تطفأ الأنوار ليبدأ الفيلم؛ حيث يجتاح البوليس بقيادة (إر المضر) السينما بعد أن (كردنها) عقب بلاغ زوجة التاجر. وتم القبض على الشماشة جميعاً.

تقاسيم (عزة في هواك) تبدأ في التصاعد..

رُبطت أيادي أبو طويلة إلى ظهره وما يزال كرجويل على أكتافه كما كان لحظة القبض عليه وهو يحاول الفرار به.

ـ وكمان جايبين لينا مكسرين؟!

قال إر المضر ثم أشهر سوطه:

شو .. شو .. شو

ـ يا حرامية ..

شو ... شو

عزة ف هواك نحن الجبال

وللبخوض صفاك نحن النبال

وتعالت موسيقى وغناء (عزة في هواك). ومع إثارة المشهد، تهاطل الطوب على خشبة المسرح! فلم فلم يصدق الشماشة (الحقيقيين) أن المسألة تمثيل في تمثيل، فرجموا المسرح بالطوب مدافعين عن (أنفسهم).. مما أضطر السيد المحافظ إلى مغادرة الحفل. وتوقفت المسرحية لحين استعادة النظام. ومع صفارة هروب المحافظ، هرب الشماشة (الحقيقيين) ولم يجد البوليس لهم أثراً!

أخذ المخرج راحته، وأخرج الفنتازيا في المشهد التالي: كان أستاذ أحمد صابر، وكأنه وسط الطابور يذيع للجمهور، ويقدم السيرة الذاتيه للتلميذ حماد إسماعيل رينقو.

ـ مدرسة (أبو عنجة) الإبتدائية (المختلطة).

ـ يرجع الفضل إلى الأستاذ المربي الكبير عبد اللطيف الشريف، الذي تبناه بعد أن وجده تائهاً في الشوراع ضمن الشماشة.

ـ أحزز أفضل نتيجة شهدتها المدرسة في السنة الأولى، فنقل إلى الصف الثالث.

تصفيق حاد من الجمهور وتقاسيم (عزة في هواك)

ـ أحرز أفضل نتيجة شهدتها المدرسة للسنة الثالثة، وكذلك في السنة الرابعة.

وصفق الجمهور طويلاً.

وتعالت عزة في هواك.

ـ نقل للصف السادس. وها هو يحرز أفضل نتيجة شهدها المركز في تاريخه..

تصفيق هستيري

وقمة عزة في هواك

ستارة




سودانى اصيل is offline  
Old 20-10-2007, 01:50 AM   #34
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

في المشهد قبل الآخير، تواصلت الفنتازيا:

طاولة وسط خشبة المسرح، حولها كراسي، وعليها مجموعة من العمائم والقبعات العسكرية.. على تقاسيم (عزة في هواك) يدخل الأستاذ عبد اللطيف الشريف ـ شخص حقيقي يمثل نفسه ـ يسوق أمامه جميع الشماشة..

يلوح لهم الشرطي ويبتسم.

يجلسون على الكراسي حول الطاولة، ويكنسونها مما عليها وينشدون:

عزة في هواك نحن الجبال

وللبخوض صفاك نحن النبال

عزة ما سليت وطن الجمال

ولا ابتغيت بديل غير الكمال

وأنشد الجمهور النشيد طويلاً

ستارة

اكتملت الفنتازيا في المشهد الأخير:

لافتة كبيرة مكتوب عليها:

(الحفل الختامي لقافلة كلية الطب جامعة الخرطوم)

فرقة أفريقيا الجديدة على المسرح تدوزن موسيقى (عزة في هواك)..

والآن سيداتي سادتي مع كورال الكلية، يؤديه الطلاب والطالبات الآتية أسمائهم:

جلال الدين أحمد عباس

ياسر حسن عبد الكبير

ليزا أبوإدريس

أسمهان بلال العاقب

بدر الدين الأمير الطيب

هشام عبد الفرّاج

..صفير.. صفير

حماد إسماعيل رينقو

هتاف: آيي ..آيي آيي آيي ...

آيي ...آيي آيي آيي .

أسرار عبد الفتاح

خليل سليمان الشيخ

أبو بكر عبد الخالق

سوسن الأمين ضرار

كوثر عامر عثمان..

كانت الأسماء مقنعة جداً بالنسبة للجمهور. ولكن لم تظهر الطالبات المذكورات في الكورال!!

بدأ العزف على فارق زمن تدريجي عن (عزة في هواك) ودخل مجرى نشيد الوداع الذي هو الكورال:

لن ننسى أياماً مضت

لن ننسى ذكراها

لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناها

...

كان الكورال مختلاً بسبب غياب (السوبرانو). فلم تحتمل ندى عبد الواحد هذا الإختلال، فصعدت إلى المسرح ودخلت مباشرة في النشيد..

صفق لها الجمهور طويلاً بعد أن أدرك أهمية (السوبرانو) وصفق مرة أخرى بعد (التوازن النسبي للكورال). وفي تلك اللحظة العارمة برزت الجسارة الأنثوية؛ ومن وسط الكراسي قفزت زهرة وعزة، وتبعتهما أنهار وجليلة وأنضممن إلى الكورال وسط دهشة مدرسيهن وزميلاتهن. وغنين بجرأة غريبة، وبانسجام غريب كأنهن كن يتدربن على ذلك منذ زمان بعيد!! وقد أصبح الكورال كورالاً بالفعل:

وانفجر الجمهور كله يغني:

لن ننسى أياماً مضت لن ننسى ذكراها

لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناها

ودخل مقدم الحفل بين ثنايا الكورال

والآن سيداتي سادتي، يجدر بنا أن نذكر أن هذا العمل الرائع، كان نتاج جهد رجال (فنانون) ـ قالها هكذا ـ وهم:

وبدأ يقرأ اللستة، كل من يسمع إسمه يصعد إلى خشبة المسرح وينضم إلى الكورال ثم:

ومثل شخصية (أم خالد) الطالب مصطفى العاقب بطيخة

ومثل شخصية إر المضر الطالب أحمد سالم أبو خمسين

ومثل شخصية التاجر الطالب عثمان شربات

ومثل شخصية كرجويل الطالب محمد الشيخ فريني

ومثل شخصية الحمار علي إسماعيل الكضاب

ومثل شخصية إبو طويلة أيضاً على إسماعيل الكضاب

ومثل شخصية رينقو سيد عمر شطة

ومثل شخصية خالد عبد الفرّّاج جومو عثمان سنين

ومثل شخصية الأستاذ عبد اللطيف الشريف: هئ هئ هئ ..

ضحك المذيع ثم واصل: الأستاذ عبد اللطيف الشريف!!

وضع الموسيقى المصاحبة الأستاذ إبراهيم الطيب عساكر بالإشتراك من العازف الفنان سيف حسن.

وقام بالأداء الموسيقي فرقة أفريقيا الجديدة.

جهز الديكور الفنان سعيد (شلش)

وألف المسرحية الطالب جومو عثمان سينين بالإشتراك مع بقية أولاد قرف.

وقام بالإخراج اللأستاذ الفنان إبراهيم الطيب عساكر.

لن ننسى إياماً مضت لن ننسى ذكراها

لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناها

....

وأخذت الحماسة الجمهور ووجد الكثيرن أنفسهم على خشبة المسرح يشاركون في أداء الكورال حتى امتلأ المسرح كله!

وعلى طرف الخشبة، ظهر أبوطويلة الحقيقي حاملاً كرجويل الحقيقي على كتفه.. كان يبدو وقوراً وكأنه يقول لكرجويل "آهـ.. ستكبر يوماً يا صديقي وتعرف كيف تغني هكذا .." وهكذا وقف بجانبه بقية الشماشة (الحقيقيين) ينشدون مع المنشدين كيفما اتفق.

واندغم الجميع في الكورال

وهكذا أختتم الحفل!!

يتبع ،،،،،،،،،



سودانى اصيل is offline  
Old 21-10-2007, 01:05 AM   #35
©~®§][©][قـــ ساحرــلم][©][§®~©
 
كوستاوي's Avatar
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

سوداني اصيل

خالص التحايا والود

ابدع الزول الجميل ابكر ادم اسماعيل في تصوير واقعنا

المهترئ والملئ بالتناقضات المميتة والمضحكة معا

وبعض الثقافات تعيش علي امجاد ثقافات اخري والغريبة

نظرتها الدونية لهذه الثقافات زات الارث التليد والمجيد

والتحية عبرك الي الي قامتنا دكتور ابكر ادم اسماعيل

شكرا جميل ومتظرين اطلالتكـ تاني يا رائع


تحياتي

Signature:

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

كوستاوي is offline  
Old 22-10-2007, 10:46 PM   #36
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

Quote:
Originally Posted by كوستاوي View Post
سوداني اصيل

خالص التحايا والود

ابدع الزول الجميل ابكر ادم اسماعيل في تصوير واقعنا

المهترئ والملئ بالتناقضات المميتة والمضحكة معا

وبعض الثقافات تعيش علي امجاد ثقافات اخري والغريبة

نظرتها الدونية لهذه الثقافات زات الارث التليد والمجيد

والتحية عبرك الي الي قامتنا دكتور ابكر ادم اسماعيل

شكرا جميل ومتظرين اطلالتكـ تاني يا رائع


تحياتي

كوستاوى سعيد بمتابعتك ومداخلاتك

تحياتى



سودانى اصيل is offline  
Old 22-10-2007, 10:57 PM   #37
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

والآن، آخر الأعياد مرّ. الامتحانات على الأبواب. موسم المضاربات على أسعار المحاصيل ولى. والصيف أطل برأسه (الكبير).

واستعدت بكرات فيلم الإشاعات ـ في الأذهان ـ لتدور، مشحونة بما سجلته من حكايا وحكايا. لم يدر بخلد أحد ما كان مختبئاً في سر أناشيد الوداع في تلك الليلة. ويا لها من ليلة! هكذا نام الخلق. ولما صادف أن كان الصباح التالي، هو الجمعة الأخيرة من أمشير، والكثيرون يمطون نومتهم، أدار المعاشيون مؤشرات الراديو لسماع أخبار الصباح، ففوجئوا بالمارشات! طار ما تبقى من نوم النائمة، وخرج الناس إلى الشوراع حاملين راديوهاتهم وتكهناتهم!!

دقت (البق بن)، ولكن لندن لم تشف غليلاً فقد أعلنت وقوع إنقلاب عسكري في الخرطوم! ولم تزد في تعليقها الطويل العريض عن "ما زال الوضع غامضاً في الخرطوم.."

بعد ثلث الساعة انقطع الإرسال، مما زاد الوضع إثارة. وبدأت التخريجات و(التخارجات). بعض قادة الإتحاد الإشتراكي وقادة المنظمات الفئوية بدأوا يتسللون إلى خارج المدينة.

"الوضع ما زال غامضاً في الخرطوم" آخر جملة ختم بها راديو لندن بثه الصباحي "على أن نلتقي بكم في الواحدة إلا الربع بعد الظهر بتوقيت قرينتش .."!

في العاشرة والنصف إلا خمس دقائق، عاود راديو أم درمان بثه. وبعد مارشيين عسكريين، جاء صوت مذيع لم يكن معروفاً ليقول "بعد (غليل) سيذيع عليكم (الرئيس الغائد) بياناً هاما (فترغبوه)"!

مجموعة من المارشات العسكرية، ثم جاء صوت المذيع (حديث الولادة) ليقول: "والآن نقدم لكم بيان السيد الرئيس الغائد (فترغبوه)"! كان بقية أعضاء الإتحاد الأشتراكي في المدينة متوجسين، ولم يبدوا أي موقف ظاهر بالرغم من سماعهم لـ(شبه جملة) (الرئيس القائد)، التي فلقوا الناس بها، وظلوا في غاية القلق ليتأكدوا من أن الرئيس الغائد هو (الرئيس القائد).

"أيهاالمواطنون الثوار الأحرار ..".

لم ينتظروا البقية، وخرجوا مرددين الهتافات الصاخبة منادين بحياة (الثورة)، مطالبين بضرب (الخونة والمأجورين). ووجدوا كمَّاً ليس هيناً من السابلة وساقوهم معهم في طواف محموم في شوراع المدينة. وقد شوهد الزبد يسور فم ود العمدة وهو يقود الهتافات: "يعيش... يعيش.. يعيش"!

بعد ذلك تتالت البيانات. وأُعلن أنه تم القبض على الخونة والمأجورين، وقيل أنهم سيقدمون إلى محاكمات عاجلة. وظلت البيانات تحذر (الأيادي الأجنبية) التي تقف وراء "المحاولة الفاشلة الجبانة".

بذلك أصبح يوم السبت إجازة تلقائياً، يتلقّى فيه الناس أخبار المحاكمات والإعدامات ـ أيد من أيد، وتحفظ من تحفظ. ولما كانت (المدينة) كبقية مدن (الأقاليم) مجرد كومبارس أو كورس للسيدة الخرطوم، فلم يتعود ناسها على الإقتراب من الأشياء الغريبة التي تحل بالموطنين في مثل تلك الظروف في (بطن السيدة).

كان يوم الأحد شبه عادي، وشمسه كبقية الشموس بالنسبه للكثيرين من الناس. ولما ذهب طلاب الشرقية إلى طابور الصباح ـ كما يحدث كل يوم، جاء أستاذ عباس بنفسه لأخذ التمام! ولم يكن أحد من الطلاب يعرف الحقيقة إلى أن جاء عم محمود يحمل لستة ونادى ألاولاد قرف بالدور:

"المدير عايزكم". قال.

وقد ظنوا أنه يريد أن يكافئهم ـ أو على الأقل يشكرهم ـ على ما جلبوه للمدرسة من سمعة حسنة في الإحتفال. بيد أنهم فوجئوا بالأسئلة الغريبة:

"إنتو أستاذ عساكر دة بتعرفوا عنّو شنو؟"!!

ولما لم يكونوا يعرفون أكثر مما يعرفه كل الناس؛ صمتوا؟!

"قولوا الحقيقة .. وما حتحصل ليكم أي حاجة.."

فسألوه عما حدث بالضبط. فأجابهم بأن أستاذ عساكر (إعتقلوه)!

وباستثناء على إسماعيل الكضاب، فقد كانت هذه الكلمة غريبة على مسامعهم. إلى أن تردد في المدينة أن عربتين إحدهما (دبل كابين) يمتطيهما رجال بزي مدني، مسلحين بالرشاشات! قد جاءوا واقتحموا ميز المدرسين وأخذوا أستاذ عساكر!!

كانت تلك الليلة، هي الوحيدة، بعد ليالي طوال من التفكير والتعديل وإعادة التفكير ـ في أمر المسرحية، التي راق فيها بال أستاذ عساكر. كان يستمع إلى أخبار التاسعة مستلقياً على سريره وبه بعض الامتعاض من الطرائق التي تسير بها الأشياء (العامة). ومع نفسه، كان متعاطفاً مع الإنقلابيين، ليس حباً فيهم، ولكن رفضاً لما هو قائم ومتجه. هذا بالإضافة لعادة السودانيين في التعاطف مع الموتى، مهما كان. ولأنه لم ينضم ـ في حياته ـ إلى أي تنظيم سياسي بسبب رؤيته (الخاصة) للأشياء، فقد قال لنفسه "كله من بعضه" وربما هذا المعنى هو الذي أوحى إليه مشهد الطاولة فاعتمده ولم يفكر كثيراً في الآمر باعتباره جزء من (منطق) العمل الفني.

ولما انتهت أخبار التاسعة، أعتبر أن المسألة انتهت. وآخر الأفكار التي جالت بخاطره قبل النوم كانت متعلقة بمصائر تلاميذه الأفذاذ.

استيقظ أستاذ عساكر إثر ضربة قوية على الباب! ولما جر الغطاء عن وجهه، كان ضوء البطارية الساطع في عينية!

أغمض عينيه منادياً:

ـ أزهري... أزهري ..

ظاناً أن أستاذ ازهري، رفيق الحجرة، قد تعتبر وهو عائد من الخارج. ولكنه سمع صوتاً يقول:

ـ أيوة .. يا هو!

قفز أحدهم وعصب عينيه بقماش. وربط يديه إلى الخلف. كان أستاذ عساكر ينادي مندهشاً:

ـ أزهري ..أزهري

إلى أن زالت الدهشة أخيراً:

"أسكت، والله هسي أفرطك راسك".

وهكذا سيق حافياً بفنلته الداخلية وسرواله الأثير (أبو تكة) فقط!

وقد شاهد أستاذ أزهري ذلك المشهد و(الرشاش) على رأسه!



سودانى اصيل is offline  
Old 22-10-2007, 10:59 PM   #38
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

كانت العربة تسير لساعات طويلة إلى أن أُدخل أخيراً في مكان تُسمع فيه أصوات العربات بعيداً، وأصوات الطيور تشقشق. فخمن أنه إما الصباح وإما المغرب. ولما فُك القماش الذي كان به معصوباً، لم تك عيناه قادرتان على النظر، وزيد الطين بلة بأن قابله ضوء كشافة على المنضدة التي يجلس عليها أحدهم ليسأله عن علاقته بـ(المؤامرة)! بعد سين وجيم المعروفة:

ـ أحسن ليك تعترف. دة طبعاً نحن حنعتبرو تعاون منك ويساعدك كتير.. آها ورينا إنت علاقتك بالجماعة ديل شنو؟

ـ ياتو جماعة؟!

ـ ما تقعد تعمل لي حركات الشيوعيين دي .. إنت حتعترف يعني حتعترف..

وتدخل آخر:

ـ دقيقة.. دقيقة سعادتك..

وأدار وجهه نحو حزمة الأوراق التي كان يحملها:

ـ إنت قلت لي إسمك منو؟

ـ إبراهيم ..

ـ إبراهيم منو؟

ـ إبراهيم الطيب عساكر.

ـ طيب ليه ما قلت كدة من الأول؟

لم يجد إجابة على هذا السؤال، والواقع أنه كان مجهداً.

ـ دة باين عليهو من النوع كدة (...) سعادتك.

فجرُّوه عبر ممر ضيق إلي حجرة فارغة، ليس بها غير نافذة صغيرة تفتح باتجاه مكان أخر تأتي منه الصراخات (آيي .. آآخ.. وآآآع ع ع)!

أجلسوه على كرسي خشبي في منتصف الحجرة، وبادره السائل الأخير:

ـ آها يا أخينا. إحنا حنسألك وعاوزنك تجاوبنا بدون لف ولا دوران..

..إنت في شهر حداشر كنت وين؟

ـ كنت في المدرس‍ة‍.

ـ آها طيب وبعدين؟؟

صمت، فسأله سعادتو:

ـ إنت ما مشيت أي حتة؟

ـ مشيت كوستي..

ـ و الوداك كوستي شنو؟

ـ أنا أصلو من هناك.

ـ وخليت المدرسة ومشيت لشنو؟

ـ والله والدنا كان عيان.

ـ كويس .. طيب في كوستي لاقيت منو؟

ـ لاقيت ناس كتار‍‍‍!

ـ أيوآآآ. زي منو؟

ـ والله هم كتار، ما بقدر أحدد ليك..

ـ شوف نحن حنخليك تحدد. احسن تمشي كويس زي ما كنت ماشي معانا.

ذكر لهم بعض الأسماء مثل (الجوغان) و(محمد عثمان) فدونوها ثم قالوا له:

ـ ما هو إنت كويس ‍ طيب بتعرف أستاذ محمد عابدين؟

ـ أيوه.

ـ كويس خالص .. طيب علاقتك بيهو شنو؟

ـ والله ده كان أستاذنا في المدرسة الثانوية.

ـ وطبعاً هو الـ(جندكم)؟

ـ جندنا وين؟

ـ الله الله.. أوع تحاول تنكر

ثم تدخل الآخر:

ـ أسمع يا... قلت لي إسمك منو؟

ـ إبراهيم .

ـ تاني إبراهيم؟؟

ـ إبرهيم الطيب عساكر.

ـ طيب يا أستاذ عساكر.. إنت الألفت المسرحية بتاعة يوم الخميس؟؟

ـ أيوة

ـ كويس جداً جداً يعني إنت كنت متستر ورا الولد القلت للناس إنو الألف المسرحية ..آآ؟؟

لم يجد إجابة، وصمت قليلاً ثم:

ـ ما .

قاطعه:

ـ ما (ما) ولا حاجة.. أوعك تحاول تعمل لي فيها ذكي..

ثم أضاف: "طيب إنت قلت لي إنو إنت الألفت المسرحية. كنت تقصد شنو بحكاية العمم والطواقي الفي التربيزة دي؟؟"

لم يجد أستاذ عساكر إجابة، وصمت.

ـ شوف يا أستاذ عساكر، الحقيقة واضحة زي الشمش: إنتو تعملوا مسرحيات وحاجات زي دي (يعني تحرك مدني). والجماعة بتاعنكم ديل يعملوا التحرك العسكري. وبكدة (تضربوا عصفورين بحجر واحد..) ولا أنا كضاب؟؟

فسكت إستاذ عساكر ولم يستطع أن يقول له (انت كضاب)

ـ بكدة المسالة (finish )، وسكاتك دة معناهو إنو كلامي صاح. إنت تروق كدة ونحكي لينا الحكاية من الألف إلى الياء.. وأنا اضمن سلامتك.

"يا شمسون. جيب للأستاذ ده سندويتش وكباية موية باردة ..".

ـ آآ... آسفين يا أستاذ اليومين ديل ما عندنا بن ولا شاي.. إنت عارف الظروف.. والله كان عزمناك. إنت أستاذ برضو. هئ ...هئ هئ ضحك سيادته.

جاء شمسون أصلع قصير، يرتدي فنلة(CUT) . مد له الساندويتش ووقف بجوراه حاملاً كوب الماء.

ما كانت لدى أستاذ عساكر رغبة في أي شيء، فظل ممسكاً بالساندويتش وهو ينظر إلى مكان غير محدد لا داخل ذهنه لا خارجه!

‍ـ أُكُل يا أستاذ. وبعدين معاك يا شمسون!! خلاص خت الكباية دي وأمشي..

ـ حاضر سعادتك ..

قال الرجل الثاني:

ـ شوف... إنت لازم تاكل يعني لازم تاكل.

فرد عليه (أساسي):

ـ لا لا ياخي .. ما تكون راجل (CRUEL) ياخي! الراجل دة أستاذنا.. يلاّ أُخُد ليك لقمة كدة.. ولا معليش .. نشفنا ريقك بالأسئلة بتاعتنا.. معليش يا أستاذ هاك خد بُقُّة.

أخذ جرعة، وضحك سيادته ثم قال:

ـ طبعاً يا أستاذ إنت راجل صادق، ودة وضح من إجاباتك. طبعاً أستاذ محمد عابدين دة راجل خالنا وكدة. أنا أصلو من عطبرة.. بالمناسبة.. تعرف خليل صديق بتاع السينما؟

ـ أيوة دة ساكن في الحي بتاعنا..

ـ أقول ليك سر؟ تعرف خالنا دة هسي (رهن الإعتقال) لكين مش مكن أنا أخليهو تحصل ليهو حاجة.. مهما كان يعني دة خالنا‍.

وبعدين يا خي إنت راجل تلميذه.. وإحنا عندنا (تعليمات) إنو الزول البتعاون معانا ده حيصدر عنو عفو قريباً. يعني نحنا كل هدفنا تأمن البلد من (الأخطار الخارجية).. طبعاً إنت سمعت إنو في أيادي خارجية داخلة في المسألة ‍‍ونحن طبعاً الناس المدنيين ديل عارفين إنهم ناس (وطنيين) مهما اختلفت وجهات النظر يعني ..

لم يكن أستاذ عساكر لديه فكرة عن هؤلاء. فكان يستمع صامتاً. وبعد فترة. دخل الرجل الآخر، ثم قال:

ـ سعادتك الرجل البهنا دة إعترف بكل شيء.. وما أظن الأستاذ دة يفيدنا بحاجة إضافية...

ـ خلاص إنت أمشي .. دة الراجل طلع معرفة يا خي.

ولما خرج الرجل الثاني:

ـ آها. قلت لي الجماعة ديل لموا فيك وين؟؟

ـ الجماعة منو؟؟

ـ الجماعة أصحاب خالنا. بتاعين المشاكل ديل؟

ـ شوف يا سيد، أنا أقول ليك الحقيقة..

ـ أيوآآ.. بس.. الحقيقة.

ـ أنا ما بعرف أي جماعة، وما عندي علاقة مع أي زول.

جر (أساسي) رجله على البلاط، ففهم شمسون، ووقف بجوار الباب نادى:

ـ عايزنك سعادتك ..

ـ خلاص يا قريبي، الظاهر في شغل مستعجل، المهم إذا احتجت لأي حاجة تطلبني.

خرج وأخبرهم بأن هذا الرجل إما أن يكون فعلاً (ما عنده علاقة) أو يكون (راجل خطير جداً).

ـ لا سعادتك. دة أكيد راجل خطير جداً، وبعد إذن سعادتك نبدا معاهو المرحلة الثانية



سودانى اصيل is offline  
Old 22-10-2007, 11:00 PM   #39
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

عقب تدخل أحد أقرباء الأستاذ عبد اللطيف الشريف وإنقاذه من كماشات (المرحلة الثانية)، بقيت تدور الإشاعات في سيرة أستاذ عساكر، وقد أقتنع الكثيرون من البسطاء وغير البسطاء ـ ومن مصادر مشبوهة ـ بثبوت انتمائه للجماعة من خلال تخريجات مدعمة بتحليلات لمضامين المسرحية التي شاهدها الجميع. ولكن الغالبية كانوا متعاطفين معه. ولما لم يكن باليد حيلة، في أيام (الألغام) تلك، لم يبق إلا تداول نتف الأخبار المصنوعة محلياً، المدعومة بدعوات سرية له بالسلامة والنجاة، إلى أن داست (لواري البحر) فراملها على موقف (المدينة) .. وأشاعت ما حدث في كوستي؛‍ حيث خرجت مظاهرات عارمة احتجاجاً على مقتل إبن المدينة (البار) أستاذ عساكر!!

جاء رجال أثناء اليوم الدراسي. دخلوا على أستاذ عباس في مكتبه. وسمعهم عم محمود قبل خروجهم يأمرون:

"القلناهو دة يتنفذ بالحرف"!.

لم يكن عم محمود يعرف شيئاً وهو ذاهب إلى (مكتبة البدري) ليحضر أوراق البوستر، ففاجأه ود فاضل العجلاتي:

ـ البركة فيكم يا عم محمود.. والله أستاذ عساكر كان راجل طيب ـ الله يرحمه .

تشهّد عم محمود، وقرأ الفاتحة على روح الفقيد الذي كان ـ بالنسبة له ـ إنسان لا ينسى. وقال "جايز الموت" ثم سأل ود فاضل "الكلام دة حصل متين؟" فتلفت ود فاضل حوله ثم أجاب:

ـ إنت كنت وين يا عم محمود ما الجماعة ال########ين ديل كتلوه.. وقالوا هسي كوستي مولعة نار.. تصدق!! تلتمية ولا أربعمية من الطلبة إنضربوا رصاص!!

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..

إشترى عم محمود أوراق البوستر، وعلى طول الطريق لم تفارقه الحوقلة.

بعد ثلث ساعة من إحضار الأوراق، نودي وأُمر أن يعلق البوسترات. حملها عم محمود كما يؤدي عمله كل يوم. وعلى البورد أفرد الروقة الأولى وألصقها.

بسم الله الرحمن الرحيم

ينعى الأتحاد الأشتراكي

الأستاذ العظيم / إبراهيم الطيب عساكر

مؤسس فرعية المنظمات الفئوية بمديرية النيل الأبيض، وعضو الاتحاد الإشتراكي الذي غدر به الخونة وأعداء الوطن .

ويهيب الاتحاد الاشتراكي بالجماهير للخروج غداً في مسيرة الثورة الظافرة للتنديد بأيادي الغدر التي أمتدت لتقتل الأستاذ عساكر

وأظله الله بشابيب رحمته

وعلى جذع الشجرة الكبيرة، علق عم محمود الورقة الثانية ـ وهو ما يزال يهز رأسه ويتحوقل:

بسم الله الرحمن الرحيم

ينعى مدير وأسرة المدرسة الشرقية

الأستاذ / إبراهيم الطيب عساكر

الذي أغتالته أيدي أعداء الثورة والوطن

وإنا لله وإنا إليه راجعون



عقب انتهاء الحصة الثالثة، وهو خارج سأل أستاذ أزهري عم محمود:

ـ في شنو يا عم محمود؟

ولما إقترب لم تصدق عيناه ما رأى:

ـ لا.. لا...ما ممكن؟

وكانت هذه أول مرة يقول فيها أستاذ أزهري (لا) ..

ـ دة كذب .. دة كذب ...

ودفن وجهه في (حائط المبكى).

إلتف حوله الطلاب الذين كانوا متحلقين حول زير الماء. ولما أبصروا الأوراق إياها صاحوا:

ـ لا ..لا..



وخرج بقية الطلاب من الفصول عبر الأبواب والنوافذ. كان أستاذ أزهري قد دخل على أستاذ عباس وتجاسر لأول مرة وزأر في وجهه:

"دة كذب! وإنت يا أستاذ ما تختشي؟! حتى الموت ما عندكم ليهو اعتبار!؟ ليه يا أستاذ؟ ليه يا سيادة المدير؟! إنت جبان.. جبان".

وخرج غاضبا وخاطب الطلاب وحكى لهم (المسكوت عنه):

"والمكتوب دة كذب..."

ولم يستمع الطلاب إلى بقية الخطبة. انفجر الغضب وقاموا بتمزيق الأوراق ثم وانداحوا في شوراع المدينة هتفوا ونددوا، ورجموا بالحجارة كل المؤسسات الحكومية. وقفز بعضهم فوق سور مدرسة البنات وأخرجوهن. وانضم إليهم طلاب الثانوية، والتأهيلي، ومدارس الشروق واتجهوا إلى مكاتب الاتحاد الاشتراكي.

كانت جملة واحدة هي مكمن المتفجرات: "كتلوا أستاذ عساكر".

وكانت الشرطة قد استعانت بحامية الجيش، وتحركت إلى وسط المدينة. وهناك كان المتظاهرون قد هجموا على (المكاتب) وإحرقوها. وفي غمرة الحدث، أطلق الجنود الرصاص. وحُمل سبعة عشر شخصاً إلى المستشفى، وتم القبض على الكثيرين وسيقوا إلى (معسكر التدريب) وهناك ضربوا "ضرب غرائب الإبل".

وفي عصر ذلك اليوم، تسرب الخبر: أن ستة أشخاص ماتوا، تأكد موت ثلاثة طلاب ـ ذكرت أسماؤهم ـ وثلاثة أخرون مجهولو (الهوية)!

ولم تشاهد المدينة بعد ذلك المدعو رينقو أبداً ولا رفيقيه هباش والزنجي!

أمشير ومارس

والمدارس

فكّ جرحك يا مدينة

ألف فارس.

رينقو في شربة مسدس!

وجنبو هباش المرصص! ولاّ يا زمن الطورائ!!

لو تعيش في تحت جيش

أو تنيش من عمة بيش

برضو بفضل شعبي عارف

أي طلقة ظلم (لا)

أي كلمة حق (أيوة)

وإنت عايش يا عساكر

في العراريق والبلوزات الحناجر

وبكرة لما الضلمة ترحل

تلقوا هباش ـ يا خوازيك ـ في حلوقكم طعم حنضل

إستعدوا وغتُّوا راسكم من حجار رينقو الحتنزل

زي أبابيل زي قنابل

من صغاركم لي كباركم راح تجندل

ويا ضواحي الليل وإيدو، قايلة مافيش البخبرك!؟

بكرة لما الشمس تشرق شوفي كان تختاري قبرك

أرجي بس وانتظري زنجي

وشوفي كان تلقي البِنَجِّي

*****
وامتلأت الحيطان بتلك القصيدة، التي وصلت إلى (المدينة) من كوستي عبر (خط الكفاح المشترك). قيل أنه كتبها شاعر (ثوري) إلتقط تاريخ الحدث من شوراع وأزقة وإندايات كوستي. وقد أعجبت القصيدة تلميذاً صغيراً اسمه (عثمان البشرى) ـ صار بعد ذلك شاعراً كبيراً من شعراء البلاد. كان عثمان البشرى هذا قد حفظ القصيدة عن ظهر قلب، وقام بنسخها لجاره، وشريكه في الدرج والكتب، على غلاف كراسته. فقام جاره هذا بنسخها بالخطأ على غلاف دفتر حسابات والده سائق اللوري. فتكفل اللوري بقطع المسافة بين كوستي و(المدينة)، فقام سائق اللوري، الأمي، بنزع الغلاف المشخبت وإلقائه للريح! فأخذته الريح إلى جوار الحائط! أغرى الحائط فريني ليتبول عليه! فتواطأ بول فريني وطال! فجرجر طوله عيني فريني للتأمل! فاصطدم التأمل بالغلاف المنزوع! فطارت القصيدة وركت في عيون فريني! قرأتها وأدخلتها إلى قلبه! فأحبها قلبه وقرر أن يتزوجها.. فأخذها إلى أبيه الرأس ليطلب له يدها من أهلها! فوافق أبيه على الفور وأرسل للمعازيم: أمر اليد بأن تنسخها على جدارن الداخلية، واللسان أن يقرأها بأعلى صوت! فأعجب صوته المدينة فصارت تغنيها كفاحاً يومياً ضد النسيان!!

لما استيقظت عزة، بعد أيام الهول إلى فضاء الجرح الجريح، وجدت صديقاتها قد نسخنها لها على دفاترها المدرسية أسوة بدفاترهن. فلبست نظارة سوداء وقراتها.. ولم يسألها أحد عن متى ستنزعها.

زهرة، وأنهار، وجليلة ـ ثلاثة أرباع ما تبقى من سرب العاصفير ـ قلبن كل صفحات كتاب البكاء والمرارات، وعضضن على شفاههن بحرقة، ونظرن إلى المدى الطويل، فأقسمن أن ينجبن عساكر وهباش ورينقو وزنجي..

قام سيف حسن بدوزنة القصيدة على ميقات النورمال جيتار. وندى عبد الواحد قررت أن تغني كل يوم بأسماء الطيور المجندلة، وأن تدفع الثمن بأن يذهب (عبد الواحد) إلى المعاش الإختياري تاركاً وظفته لـ(الشروق ).. وما يزال الناس يفتشون عن سر الحزن الجليل كلما رن على أذن سامع نشيد ضارب في البرية التي كانت يوماً (المدينة).

هناك، في (القرقف)، كان أبو طويلة يتلقى التعازي ويسأل نفسه "أصحيح لن يعود رينقو؟ أصحيح ؟".

يتبع ،،،،،،،،،،



سودانى اصيل is offline  
Old 22-10-2007, 11:52 PM   #40
©~®§][©][قـــ ساحرــلم][©][§®~©
 
كوستاوي's Avatar
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

Quote:

لو تعيش في تحت جيش

أو تنيش من عمة بيش

برضو بفضل شعبي عارف
شكرا ليك يا زول للنقل ود / ابكر

يحرك عصب السكون ويولد فينا الاشتهاء الجميل


منتظرين يا سوداني

Signature:

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

كوستاوي is offline  
Old 29-10-2007, 11:09 AM   #41
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

تحول لهيب الذكرى إلى جمر في القلوب. كل التذكارات لافتات لأيام ستأتي مع مدارات الدنيا. ومن تحولت عنده الذكرى إلى رماد، لم يكن يوماً من سلالة قرف.

من وراء خط المصير الذي رسمه القدر، ولعبت به أيدي العواصف. نادى المنادي: "من كد وجد.. ومن طلب العلا سهر الليالي".. ولكن شتان بين سهر وسهر. كان الكثيرون يقلبون صفحات الكتب المدرسية والدفاتر. وبين الفينة والفينة يترنمون بأغنية أمشير ومارس، ثم يجندل النوم الجفون.

كان جو يقلب ما صار لاحقاً (أخبار الأيام) ويدوِّن رسائل من ورد ورصاص:

"الآن أعبر الليل. والليل بحر أحزان.. أقبّل أقدام الريح أن تاتيك بسر الذي لا سر فيه. الآن أحلم أن أحكي لك سيرة الضوء الشارد.. الآن تقفز السؤلات الجارحة. ماذا بعد؟ ماذا سنصير؟ أمثل من كسروا أجنحة الطير وأحرقوا الفراشات؟؟؟"

ويغمض عينيه عن شيئين:

الغياب

والغياب

وما بين غياب وغياب، ترفل كل الوصايا، ولكنها تبقى في نهاية النفق شيئاً واحداً (القسر/الموت).

يدٌ بالنهار تهشم عنفوان خصلة أديرت ليراها القلب، فأدير بها الوجه إلى الصليب..

يد في الليل تهدم أحلام المسادير. ويد بالنهار ـ أيضاً ـ تزرع الرحيل الأبدي في بعض حلم يافع، ويتبادل الليل والنهار وردياتهما.

وتتبارى (الأيدي) في إدارة الدائرة.

ونحن ؟!

وكل هؤلاء؟!

الطحين؟؟!!

ويجئ صوت المسيح:

ـ أنتم ملح الأرض فإذا فسد الملح فماذا...؟

ـ أنت نفسك أيها المسيح صلبوك!؟

ـ ولكن كلماتي باقية..

ـ وكلماتهم هم؟ أليست باقية؟؟ أنها ليست كلمات، إنها نفس الأيدي التي صنعت الصليب..

ـ "إن ربك لبالمرصاد"

ـ وإلى أن يوضع (الميزان)؟

ـ"... ولا تعجل به ..."

ـ والمدينة!؟

ـ "حدد ملامحك يا حراز"

ـ ونون؟

ـ مدينة.

ـورينقو؟ الإنسان؟

ـ مدينة.

ـ ومن أنت؟

ـ الطريق.

ـ !!!

وبسط الولد الجالس على مقربة من الحائط ذكرياته على نهر الزمان. وهناك من النهر خرجت نون في مكتمل الفضيحة. حلق أستاذ عساكر ورينقو ورفاقه كما النحلات وغابوا في العاصفة. مد جو يده بالتلاويح. سجلت الكواكب إبتسامة نون على حدب الرحيل. لم يعد بينه وبينها إلا قيد لمسة.. ها هو الخد الأيسر وعليه حبة الشباب، العينان الجميلتان، الخصلة المتمردة، الخجل الأثير.. وفي لحظة التجاسر على الإفاعيل القديمة، دخلت اليد التنينية في المشهد. وجذبة واحدة فإذا هما ساقطان في (هاوية الزمان)!

ـ جو.. جو.. جو.. جو

ـ نو.. نو.. نو.. نو..

ـ جو.. جو.. جو..

ـ نو... نو... نو...

ـ جو ... جو

ـ نو ... نو

ـ جو...

ـ نو...

وفي صباح اليوم التالي وجد شربات الرسالة تحت وسادته:

"أحبابي..

حين تشرق شمس الغد سأكون قد قطعت مسافة يوم كامل في الطريق على مدن بعيدة.

أعرف أنكم ستتصرفون كما أريد..

لعزة، وزهرة، وأنهار، وجليلة، وسيف، وندى (ما تعرفون)

للكعبة، تحيات الصباح والمساء.

لعثمان سنين وبت النور كتبي وسيكون عزاءهما أنتم، وأنتم ملح الأرض.



جو

جدران الكعبة

الذكرى الخامسة والتسعين بعاداً







******************

************

*****

سودانى اصيل is offline  
Old 05-11-2007, 12:09 AM   #42
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

3

اللعبة الكبيرة

سيرة السراب





فالسيد زين العابدين محمد الحسن ـ أي السيد المدير ـ كان مدرساً لم تك أحلامه تتعدى أحلام المدرسين المخلصين. ولأنه كان في يوم ما شخصاً، يمكن أن يقال عليه، (طيباً) كبقية خلق الله. ولا علاقة له بما يعرف بالمسائل (العامة)؛ فقد كانت كلماته وإكليشيهاته ـ المجد والسؤدد وعماد المستقبل ـ التي كان يرددها على مسامع طلابه على مر السنين ليست سوى كلمات وجمل ذات دلالات شاعرية. وقد كان كل ما يتخيله من سعادة في مستقبله، هو أنه، بعد أن ينزل المعاش، يعود إلى كسلا ـ مسقط رأسه. وأن يساعده أبناؤها في بناء بيت له في أي حي شعبي ـ شريطة أن يحمل اسم الميرغنية! حتى إذا جاء يوم الحشر، وكانت (القوائم) بالمربعات، أو بالأحياء، حُشر في زمرة الأولياء الصالحين. وعلى أن يكون البيت بجوار الزاوية، إن تعذر المسجد؛ ليصلي فيها الفجر حاضراً، ثم يعود إلى البيت لتعد له الست الشاي والقهوة البجاوية ليعدل كيفه الصباحي، وينتظر حتى تعد له الفطور. وبعد الفطور، يطوي عمامته، ويتعطر بالكلونيا أو المسك. ويضع على كتفه شاله الذي أهدته إليه إحدى بناته بمناسبة زواجها. ويحمل عكازته ضارباً باتجاه السوق.

يغشى أولاً كشك الجرائد، ثم يدلف إلى رفيق الصبا، وصهره المحجوب، الذي يجلس أمام دكانه الكبير، فيأتي له المحجوب بقهوة الضحى ـ البجاوية أيضاً. فيرشف منها ويطالع الجرائد. ثم يتبادل مع المحجوب الأحكام على (الأشياء) و(الزمان)، ثم يعيد إليه قراءة المقال أو الخبر الذي ورد فيه اسمه مصحوباً بـ(أستاذنا الجليل) أو (المربي القدير). أو يجد اسم الدكتور فلان، أو المهندس علان، فيعلق بسعادة: "تصور! أنا درست الود دة في مدرسة كذا، في مدينة كذا!". ويبالغ قليلاً "والله أنا كنت متأكد إنو حيكون كدة ..". ويرمي بضحكته إلى الفضاء، ثم يستغفر الله بعدها.

وفي آخر النهار، بعد أن يصلي الظهر في المسجد الكبير، يعود إلى البيت ببعض الفواكه ـ الموز غالباً. وبعد الغداء، إن لم تكن عليه زيارة مريض ما أو (فاتحة) في عزاء ما، يحمل كرسيه ويجلس في (ضل العصر)؛ ليعيد قراءة المقال أو الخبر ـ أياً كان ـ على جيرانه ممن هم في عمره ويلقي بالتهديدات إلي الصبية بأن يأخذوا الكرة ويلعبوا بعيداً وإلا فإنه سيقوم بمصادرتها وجلدهم ـ دون أن ينفذ التهديد. ثم يواظب على أداء صلاة المغرب في الزاوية وما تيسر من عشاء.

لكن تغيرات خطيرة حدثت في شخصية (أستاذ زين) بعد ذلك (اليوم)! اليوم الذي كُلِّف فيه، بصفته أستاذ العربي، أن يلقي كلمة الترحيب بـ(المسؤول). فاستحفز أستاذ زين كل خبراته في تقعيرات اللغة والفصاحة التي صقلتها وعثاء عشرين عاماً من إزالة العجمات عن ألسنة طلابه، ومعاناته مع حروف الظاء، الذال، والضاد، وأحياناً القاف والغين. فكان أن أعجب به (المسؤول) أيما إعجاب! بالرغم من أن ما قاله (أستاذ زين) من إطراءات وتقريظات ـ التي ظنها المسؤول معبرة عن حقيقته ـ ليست، في الواقع، سوى مهارات بلاغية لم يفكر قائلها أبداً في مقاصدها!

وبعد شهور، لما ظهرت كشوفات الترقيات، كان على رأسها (أستاذ زين) قافزاً فوق بعض عقبات اللوائح بجرة قلم (الاستثنائية)، ليتم نقله إلى (المدينة) مديراً للمدرسة الشرقية. وخلال السنوات الأخيرة، انتقلت البلاغة من دهاليز المدرسة إلى دوائر (المنظمات الفئوية). ومع مرور الأيام، بدأت تتبدل شخصية (أستاذ زين) الذي أصبح (السيد المدير). وبدأ مسلسل (الإنفتاح الأحلامي)! فصار لما كان يسمى بالمستقبل ملامح أكثر تحديداً. أما المجد والسؤدد ـ هذان الرفيقان القديمان ـ فقد تخليا عن هلاميتهما السابقة.

بدأ عم زين العزيز، وهو جالس على طاولة (المنظمات الفئوية)، يرى وجوهاً أخرى غير التي كان يتصورها عن (المسؤولين)! فمن قال أن هؤلاء المسؤلين هم أشخاص أكثر منه تأهيلاً؟؟ ثم صار يلقي ـ وهو عائد من (هناك) ـ نظرة على التميز الظاهر لبيت المدير، الجير على الأقل، ويقارب المسألة في ذهنه مع بيوت بقية المدرسين من تحت وبيوت المسؤولين من فوق! ثم أن عربة المدرسة التي بات يتم استغلالها لتفسيح الست والبنات هناك ـ حيث يعبر الآخرون راجلين ـ هي مجرد لاندروفر. ثم أن عماد، الإبن الأصغر، يتشاجر مع صلاح، الإبن الأكبر، حول هذه العربة الوحيدة.

بدأت تتحول صور الجرائد المستقبلية إلى لافتات مثل التي بدأت تنتشر تلك الأيام في المدن الكبيرة ـ الخرطوم خاصة، (الدكتور: عماد الدين زين العابدين.. زمالة الإية كدة الملكية)! (شركة الإية كدة: مهندس/ صلاح الدين زين العابدين..)! في مقابل هذه النزعة الإنفتاحية، كان ظلها في الإتجاه المعاكس؛ فسلمى يجب أن تصبح زوجة الدكتور (فلان). ونازك زوجة المهندس (فلان)؛ لذلك لا بد أن تكدا في المذاكرة (لتتأهلا) لهذا الأمر الجل. وأهم شئ أن تبتعدا عن البصل، وخاصة (المعفن) منه. وقد زاد الطين بلة ظهور أستاذ عبد الجليل الذي أكسب كل شئ (مشروعيته).

لكن أخطر تحولين حدثا في شخصية أستاذ زي هو أنه أولاً قد نمت لدية نزعة الـinspection المدفوعة بالـsuspicion ـ أي الشك المنهجي! فصار يستقصي كل ما يقال بحثاً عما يمكن أن يسربه أعداء (الثورة). الذين صاروا أعداؤه الحقيقيون، الذين يهددون مشاريعه وأحلامه الجديدة. وهذا هو السبب الذي ساقه للمرور على حيطان المدرسة وأدبخانات الطلبة، لا ستكشاف ألاعيب البصل المعفن. وما يمكن أن يسربه الأعداء من هناك! إذ يقتضي الحرز تأمين كافة الجوانب كما تعلّم في طاولة (المنظمة الفئوية) ليوقع نفسه في مهزلة أولاد قرف تلك.

ولكن ما لم يكن يتصوره أبداً هو أن (البصل العفن)، الذي يطارده في حيطان المراحيض، قد تسلل إلى عقر داره!!

وفي سبيل مواجهة الموقف.

برزت الخصلة الثانية التي اكتسبها الذي كان (أستاذ زين): فأول ما فعله بعد وصوله إلى موقعه الجديد في كسلا كأمين للمنظمات الفئوية هو (تأمين الجبهة الداخلية). وفي يومي الإرتياح من وعثاء السفر، كان يبحث عن (الخطة الجهنمية).

تم (الاعتقال التحفظي) للمنقولات الخاصة بالبنات، ومنع خروج أي شئ منها إلا بأيدي الست وأمام ناظريه، إلا (الأشياء) التي يجب ألا يراها. فيدير وجهه باتجاه الحائط! وبعد أن اكتملت عناصر التخطيط. بدأت مراحل التنفيذ. فنادى الست وسألها:

ـ شلتي الحاجات المامفروض أشوفها كلها؟

ـ أيوه .. بس إنت عايز تسوي شنو؟

ـ ما دخلك، ما إنتي كنتي لوح؟! جُرّى الباب دة وراك

فخرجت الست وجرت الباب وراءها

قام السيد أمين المنظمات الفئوية بإخراج مجهره للبحث عن (الجراثيم) بدأ أولاً بحقيبة سلمى، فأحصي ورتب التالي:

(+) ثلاث جراثيم تسبب الأمراض المزمنة:

ماجدلوين

روميو وجلوييت

بحيرة عصافير الجنة.

(++) فيروسات أخرى بهيئة رسائل ورسومات، وكروت بوستال مكتوب عليها أسماء فتيات من بينهن حسنى بنت أستاذ عباس. قال لنفسه: "وما أدراك أن حسنى هي حسنى؟! فقد تكون هذه توقيعات مزورة"!

قلب الحقيبة وهزها جيداً بعد أن استكشف كل جيوبها، ثم قذف بها بعيداً، استدار باتجاه ما اسماه (الكرنتينة)! أي حقيبة نازك، ليجد فيها ما يصعق العقل:

ثلاث وسبعون رسالة، لم يخف إعجابه ببلاغتها والخط الذي كتبت به. وفعل بها ما فعله بأختها. لملم المعروضات أمامه، وفتح الباب ثم نادى الست وأمرها أن تأخذ (حطام الذكريات) إلى أصحابه.

في الليل، وهو مستلقٍ على سريره، قرأ (علم الجراثيم)، فاقتنع إقتناعاً تاماً أن هذا الولد مجنون. فما أتى به لم تأت به الأُوَلُ.

كانت هناك جفون ساهرة في صحاري اليأس بعد أن تعب الخوف وجفت ينابيع الدموع.

"مافي أمل" قالت سلمى.

أما نون، فلزمت الصمت، وحقدت على الكوكب التي لم تتدخل.. وقد كانت تفتش في طريقه توصلها إلى ضفاف المانج "هل ينفع القاش بديلاً؟" وإذا نفع فهو الآن مصوح بلا ماء .. شهور أخرى ستمر حتى يصبح القاش (مانجاً).. وكل الطرائق الأخرى ليست قدر الرجاء!

لامت نفسها على أنها لم تقفز ـ في تلك اللحظة ـ من العربة .فـ"بالتاكيد كان الكوكب ستتدخل، فهو كان يسبح وأنا تخاذلت.. أنا أستاهل" قالت لنفسها.

مساء اليوم التالي، دخل الذي كان (السيد المدير) ضاحكاً مستبشراً!!

ـ إزيكم يا بنات.. خلاص إرتحتو من السفر؟

كانت لهجته غريبة ولا تتناسب مع الموقف. فجاءات الإجابة مقتضبة:

ـ أيوة (بدون يا بابا التي بدأت تنتشر في تلك الأيام بدلاً عن "يابا")!

ـ شوفوا يا بناتي، إنتو لسة في بداية طريق (المستقبل) وأنا عايزكم تبقوا فوق.. ولا عندك راي غير كدة يا نازك؟

ـ لا يا بابا ..

ـ أنا (متأكد) من كدة، وعشان كدة، انا قلت إنتو براكم تبقوا بنات كويسات.

أخذ من على حجره ظرفين ومد لكل صاحبة ظرف ظرفها قائلاً:

"شوفوا جوه الظروف دي في شنو؟"

كادت سلمى أن تفرح، ولكنها كتمت إحساسها ولم تفعل نازك شيئاً.

ـ آها يا سلمى مش دي حاجاتك؟ فيها حاجة ناقصة؟

ـ لا يا بابا

ـ وإنتي اشتريتي الكتب دي من وين؟ قالها بلطافة.

وبسب الثقة الثابتة، أجابت سلمى بصدق:

ـ ديل حقين نازك... أنا قريتم لكين لما شنطتا ما شالت ختيتهم ليها في شنطتي.

"وإنتي كمان مشاركة في الجريمة" قال ذلك في نفسه وأظهر:

ـ عاقلة.. يعني الحاجات دي كلها بتاعة نازك؟

فأجابت نازك

ـ أيوة يا بابا.

ـ خلاص يا سلمى أديها حاجاتها.

نفذت سلمى الأمر، ثم بدأت محاضرة المجد والسؤدد.. وكيفية بلوغهما بتجاوز الصغائر ليصل إلى هدفه: فآخر ما تفتقت عنه عبقرية الذي كان (أستاذ زين)، الذي لم يكن يتجاوز علم الحساب والعقاب عنده كلمة (يا لوح) أو السوط، هو تلفيق مشاعر الناس!

ـ وإنتي بكدة أكيد قررتي تخلصي من الحاجات دي.. هاكي الكبريتة دي أحرقيهم، وبكدة تكون الحكاية خلصت (!) أنا سعيد لأنك بنت واعية.

أرادت سلمى أن تقول (لا) ولكنها لم تستطع. أما نازك فلم تنظر إلى ما في (ظروفها)، فهي كانت مشغولة بالتفكير في موسم فيضان القاش، وقد حددت قرارها الذي لا رجعة فيه.

أخذت الكبريت ووضعت الظروف: الجراثيم في السلة أمام الشهود، وأضرمت النار، وفي داخل الغرفة! ومع كل ذكرى تقلِّب المحروقات حتى (ينجض) القلب الذي تخاذل يومذاك!

ومع آخر ومضة في (المحرقة) أختلطت دموع الدخان الذي لوث الغرفة بدموع وداع (الأشياء الجميلة العزيزة).

قام السيد زين العابدين مودعاً هو الآخر:

"خلاص. بكرة السواق حيجي يوديكم المدارس"..



سودانى اصيل is offline  
Old 05-11-2007, 12:12 AM   #43
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

وراء القضبان الحديدية ـ هذه المرة بدلاً من النملية ـ فتحت نازك زجاج النافذة تستعيد ذاكرة (شباك النبي). وما زالت في الجو رائحة دخان المحرقة. نظرت إلى الشارع الخلفي. كان يبدو مثل سراب المسافات الطويلة التي قطعوها في الأيام الفائتة. استعادت أصداء الألم والفرح القديم. جاءت سلمى وإلتصقت بها من لخلف وتشممت ضفيرتها الخلفية قائلة:

ـ نازك.. أنا حزينة أكثر منك.. أهو إنتي على الأقل عندك حاجة قاعدة جواكي، يمكن بكرة تلاقيها.. بس أمسكيها وأصلو ما تفرطي فيها لآخر يوم في حياتك..

ـ تفتكري يا سلمى؟

ـ أيوة.. بس أنا ما كنت قايلة الدنيا دي قاسية كدة! أهو إنتي الكنتي بتعزيني بالكتاب وببكرة، بقيت أنا أعزيك؟!!؟

ـ لكين تفتكري يا سلمى حتى لو جات الحاجات دي تاني حتكون زي الحاجات الهسي إحنا فاقدنها؟

ـ يلا خلاص يا ستي.. أراح نصلح كتبنا.. عشان إنتي عارفه بكرة حتبدا القوانين الجديدة..

واتجهت سلمى إلى المنضدة ورتبت كتبها.. وكان حديثها عن (التمسك) قد فتح نافذة أمل صغيرة، بدأت تتسع قليلا قليلاً إلى أن أطل الشعاع الذي لم يكن في الحسبان:

ـ الله يا سلمى ربنا دة كريم وعادل. يا ما إنت كريم يا رب!!

أحضان وقبل. واختلطت دموع فرح حقيقي ظل لأيام تحت وطأة الخوف والياس والخذلان. فها هما تتفرسان (الكتاب) والصورة بداخله!

ـ ديل لقيتيهم وين؟

ـ والله ياسلمى. لقيتم في كتاب الدين

وكان السيد الـinspector ، المفتش، قد فتش جميع الكتب والدفاتر المدرسية ورقة ورقة بحثاً عن جرثومة (كدة ولا كدة)، ولكنه (فطَّ) كتاب الدين إذ لا يعقل أن تكون فيه (جراثيم)!!

وهكذا صارت تتم مطالعة الكتاب في الزيارات الأسبوعية لقبة (سيدي الحسن). وعلى مرأى من الست الوالدة الأمية على أساس أنه كتاب أدعية! وهي لم تشك بعد أن لاحظت انتظامهما في الصلاة وبرنامج المذاكرة اليومي. هذا بالإضافة لتعاطفها مع نصف الحكاية.

ومن داخل تلك الفسحة الصغيرة، كانت دوافع الاجتهاد في المذاكرة تتحفز مع ترديدات سلمى:

ـ إنتي لازم تجتهدي يا نازك. تتذكري قافلة الطلبة بتاعين الجامعة في (المدينة)؟

ـ أيوة ..كيف ما بتذكر؟!

ـ شفتي البنات بقعدوا مع الأولاد كيف؟ ويتونسوا كيف؟ يا سلاآآم، سنة واحدة بس وأمرق من السجن دة.

ـ لكين أنا يا سلمى.. شوفي الباقي لي كم؟

ـ ما تخافي يا ستي.. أنا لمن أمشي الجامعة أكيد في الإجازة خآخدك معاي ونتفسح ونزور صاحباتي وأصاحبي .. و

ـ تعرفي يا سلمى أنا بتمنى شنو؟ بس أنا وزهرة وأنهار وكل صاحباتي، وجو وكل أصحابو ننجح ونكون في جامعة واحدة (ولم تك نون تعرف أن مثل هذه الفانتازيا هي التي أودت بأستاذ عساكر وآخرين إلى الآخرة).

ـ خلاص ذاكرى كويس...





****



س*1 : أكتب/أكتبي عن قصة أجمل كتاب قرأتَه/قرأتِه.

"آهـ يا جو .. تلقاك هسي بديت القصة.."

وانهمكت نون في حل إمتحان اللغة العربية.

وفي تلك الساعة من نهار أبريل الحارق، كان (قطار الميجا) يمخر عباب بحر السراب، متهادياً باتجاه الخرطوم، وحاملاً على (سطحه) أكبر البصلات المعفنة!

ــ أسمأ يا أخونا.. هاكي هِدِم دي ختي في راسك.. وللاّهي في قتر دي ناس كتير بدمموا وبموتوا! هر دة وللاهي بجيبي أبو فرار.

ـ شكرا يا أخ ..

ـ أخوكي أبدللاهي إساخا (عبد الله إسحق) من (كُتُم). وإسم كريم منو؟

ـ جو ..آآ .. أقصد النور عثمان .. من (المدينة).

ـ سايق الإسم .. وإتي ماشي وين؟

ـ الخرطوم..

ـ وإندكم أهل في خرتوم؟

ـ أيوة.. في أولاد خالنا ساكنين هناك...

ـ وهم ساكنين وين في خرتوم؟

ـ والله ما عارف.

ـ إتي تلقيهم كِكّيف!؟ خرتوم دي مهلّة كبير!!

ـ والله ما عارف ‍‍بس أنا ماشي ..

ـ وتشتخل شنو؟

ـ والله أنا خليت المدرسة.

ـ ليه شنو؟

ـ والله بس مشاكل.

ـ إتي بكون ماشي جيش. وللاهي أنا زاتو قلت نمشي نقأُد ما ناس آدماي فـ(إشش) ونبيأ مآهم ترمس. وبأدين كن لقينا تريقة ندخلو جيش.

وفي لب الحكي، عرف جو بحكاية الصديق الجديد عبد الله إسحاق. وأحلامه في العودة من (البَحَرْ) ليتزوج (فطين)...

أطلت هناك جزيرة وسط السراب.

"أمسكي شنتة بتائك كويس.. جماءة هنا ديل سرّاقين. قتر خلاس وِسْلَت كوستي. هو بقأد هنا زمن تويل".

صييج .. دق دق... دق دق..

وفرمل القطار في المحطة.

هبط الركاب، وقبلهم المسطحين خوفاً من مداهمات الشرطة.

...

"لا تحملوا بعالم سعيد

فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد

وخلف كل ثائر بموت أحزان بلا جدوى

ودمعة سدى .."

شخبتة على حائط البول. بائعات الطعمية، تجار السمك، البسكويت، نوافير المياه، سيقان الجميلات المسافرات وهن يتشطفن، وهاهو النيل! أو ما يسمى بالنيل، عادي ولا علاقة له بأساطير الكتب المدرسية! إنه مثل خور المدينة في أيام الخريف! ولا شيء آخر! رائحة الشواء تقطع المصارين.

"نور.. نور، تآلي نمشي ناكل".

وأبلعك أبلعك.. هدأ نداء المصارين، فخرج نداء الرأس!

ـ شاي .. شاي ..

ـ تآلي بتاء شاهي ـ نادى أبدللاهي إساخا وأمر: "كبي إتنين".

أشطفك.. أشطفك. وكان جو مع كل شفطة يتلصص إلى يد الشاب الجالس على الحجر بجوارهم. وتطل من النفس دناءاتها: "يا رب يرمي السيجارة.. يا رب يجدعها". لاحظ أبدللاهي إساخا قلق صديقه فسأله:

ـ إتي تشرب سجار؟

ـ أيوة!!

ـ لكين سجار دة ما قالوا هرام؟

ـ والله تقول شنو؟ إنتو هناك مش قاعدين تشربوا مريسة؟

ـ ولكين مريسة لمّاه مع سجار شنو!؟

ـ أنا عايز أقول يعني زي ما الناس عندكم بشربوا مريسة، أنا بشرب سجاير!

ـ واللهي إندنا أخونا كدة في خرتوم بشرب سجار..

وأخيراً فتح الله على جو، وجاء بائع السجائر، فقام أبدللاهي إساخا بارتكاب ثاني الحرامات واشترى علبة سجائر كاملة وأعطاها لجو..

وبعد أن شفط (كم نفس كدة) استيقظت نون التي كانت نائمة تحت وطأة الجوع والخرم. ثم ظهر وراءها طابور الوجوه الأليفة والحنين! ظهر أستاذ عساكر في ملامح المدينة وناسها.

قام جو بعد السيجارة الثانية وساح هياماً في طرقات كوستي. صارت كل ذرة تقول "أستاذ عساكر؟ لقد مر من هنا يوماً" وبيوت المرابيع التي تشبه نوافذها (شباك النبي) هل وقفت وراءها نون أخرى ذات يوم تناجي أستاذ عساكر؟

ساح.. ودخن.. ودار ولف ودار..

ولما صفر قطار الميجا وتحرك، وجد أبدللاهي إساخا نفسه وحيداً بين حقيبتين، بداخل إحداهما أكبر (كرنينة) للوبائيات، قال إساخا لنفسه "ربما تسلق عربة أخرى!". وفي ربك، ما زال الأمل قائماً ومع جبل موية وجبل عشطان، تقاصر الأمل. وفي (سنار التقاطع) اختفى. وبكل أمانة القروي ووفاء (الغرَّابة) الذي يفوق وفاء الكلاب لأصحابها، قام أبدللاهي إساخا بالأحتفاظ بالحقيبة إلى أن التقيا بعد زمان طويل.

في كوستي، اكتشف جو حقيقة أن بعض الأماكن يمكن أن يعيش فيها الإنسان قبل أن تطأها قدماه! فما كانت كوستي غريبة عليه بعد الحكايات الطويلة التي حكاها له على إسماعيل الكضاب. وفي المحطة لم يجد صعوبة في تحديد المنزل الذي كان يسكنه على إسماعيل ذات يوم. كان يمر عليه ويدخل في أحلام يقظة.. وأحياناً يرى نفسه داخلاً على على إسماعيل، وهو في الواقع يدفن عقاب سيجارة وهو راقد على معقد المحطة الذي صار (المنزل).

كان جو يذهب في الصباح إلى المينا، وعتلك عتلك (حق السجائر)، وأحياناً زيادة، ثم إلى رواكيب السمك مستعيناً بحكمة رينقو: "لم نسمع أن أحداً مات لأنه أكل ما خلّفه الآخرون، بل مات الذين لم يجدوا هذه المخلفات"! وتخلى جو قليلاً قليلاً عن أنفة القرويين. كان يمر في المساء على السينما عله يلتقي بأبي طويلة صدفة، أو أي واحد. لكن شماسة كوستي كانوا أكثر عنفاً. فلما رأوه غريباً، ظنوا أنه من (ال########ين بتاعين القبض) يحاول الأندساس بينهم، بعد أن اكتشفت المدينة في أيام الأحداث أن أحد شماشتها لم يكن سوى مخبراً متخفياً يدبج التقارير عنها! فأوسعوه ضرباً ومزقوا قميصه، إلى أن عثر على فنلة لا بأس بها في قمامة حي السوق، كان جو قد تجول في كل الأماكن المشوبة بالذكريات المستعارة. المدرسة التي درس فيها على إسماعيل؛ كل المدارس التي درس أو درَّس فيها أستاذ عساكر، الأماكن التي يشتبه في أنهما مرا بها. وكان قبل فسحة الفطور يذهب ويجلس تحت الشجرة المقابلة لباب مدرسة البنات، يتفرس وجوههن ويقارن:

"هذه تشبه زهرة!"

"يآهـ .. دي أنهار عديل!"

"ودي عزة.. بس لو لبست نظارة سودة!"

"ودي .. آآخ.."

ويدفن رأسه بين ركبتيه ويسبح في حلم يقظة طويل..

ذات يوم، جاء وجلس في نفس المكان، ولم يمر أحد! قال في نفسه "الليلة إجازة ولا شنو؟" لتأتيه الإجابة بعد ساعات، أن الامتحانات انتهت. وأغلقت المدارس أبوابها إلى بداية العام الدراسي الجديد. ولم يبق ما يسند البقاء طويلاً، فعاد جو إلى المحطة في انتظار أول قطار ميجا قادم.



****
لولولولو .. إششش..

صاري لي كدة مالك؟ هسة تلقاك (كبَّست) الإمتحانات، وفي الإنشا ـ لق لق لق ـ بجيب قدر نمرك. ما حتقدر تفوتني. قايل نفسك براك بتعرف إنشا؟؟

دخلت سلمى ووجدت نون تكلم نفسها!

ـ يا بت جنّيتي ولاّ شنو!؟

أدخلت الصورة بين نهديها. ولما تأكدت من أنها سلمى:

ـ أنا بكلم جو!

ـ إنتي عايزة يطبوا علينا تاني؟ وكمان المرة دي زايدة. أووف.

كان صلاح زين العابدين قد عاد قبل أيام من الجامعة. ولكن هذه المرة كان ملتحياً! لم تك لحيته هي المشكلة، وإنما تلك الأوامر التي صرن يتلقينها وهن خارجات أو داخلات:

"غطي رأسك .."!!

"طولي الإسكيرت دة"!!

ثم بعدها:

"هاكي الكتاب دة أقريه يا سلمى".

ويرجع الكتاب ليأتي الأمر بآخر!

ولكن الله كان يستجيب لدعواتهما، فقد عاد (دكتور) عماد زين العابدين الذي يدرس الطب في مصر لقضاء إجازته، هو الآخر، فدخلت الأفراح إلى البيت الجديد.

كن يسترقن السمع إلى المجادلات التي تدور في الديوان بعد الغداء بين صلاح وعماد؛

ـ الله يهديك يا عماد.. يا خي ربنا قال: (...).

ـ أيوة. ربنا قال، بس مش بالطريقة بتاعتكم دي.. ثم تعال ياخي إنتو لحدى هسي ما عندكم نظرية محددة تحلو بيها المشاكل بتاعة الخلق دي!؟

ـ القال ليك منو؟ أنت بس ما متفقه. ثم ياخي "ما فرطنا في الكتاب من شيء".

ـ أيوة. بس دة مامعناه إنو أنا أقرا الكتاب دة وأشيل السماعة بتاعتي وأمشي المستشفى أعالج الناس!!

ـ يا خي دي تفاصيل. المهم (الاتجاه).

ـ طيب أنتو هسي في الجامعة بتقروا التفاصيل ولاّ الإتجاه؟

ـ إحنا بنقرا التفاصيل والإتجاه.

ـ طيب التفاصيل دي عملها الإتجاه بتاعكم؟

ـ ما ضروري ..

ـ لا ضروري

ما ضروري.. ضروري .. ما ضروري ...

"خلاص يا أولاد!"

ويتدخل السيد زين العابدين لفض المشاجرة الكلامية.

يتبع ،،،،،،،،،،،،،


سودانى اصيل is offline  
Old 11-11-2007, 01:20 AM   #44
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،

هناك مع (ست الجبايب) عرف عماد زين جزءاً من الحكاية. وفي ظهر الخميس طرق باب (حجرة الأحلام المسجونة):

ـ كو كو كو ..

ـ ككك كرك.. ككك ككك. ششش. إتفضل!

ودخل عماد زين:

ـ كيف يا ستات؟

ـ ستات مرة واحدة كدة يا عمدة؟! قالت سلمى.

ـ كيف يا نانا؟ أهو إنتي بقيتي ما شاء الله... والله لو ما حظنا الكعب كان الواحد بقى ود جيرانكم وراح حابيك طوالي..

ـ الله الله على الكلام الجميل دة.. إنت الظاهر مصر دي علمتك حاجات كثيرة.. وبعدين إحنا ما بننفع ولا شنو؟ قالت سلمى.

ـ أنا بتكلم عن الحب بس؟ لكين لمن تجي سيرة العرس، البعد الحب، حيجيكي الدور.. إنتي ما سمعتي المثل البقول "ثنوي عام حاجة تمام.. ثنوي عالي عرس طوالي"!؟

ـ لا، كان كدة خلاص.. لكين باين عليك بقيت ود كدة (...)!

ـ وإنتي يا نانا.. مالك مكشرة كدة؟ الظاهر الكتمة مأثرة عليك. ياخي السجن دة إنتو متحملنو كيف؟ لكين أنا عندي ليكم مفأجاة (إنما أيه).

ـ أها.. قول.. قول!!

ـ شوفوا يا جماعة، الاقتراح كالآتي: أنا أقنعت الست بلاش حكاية الزيارة دي الليلة.. أنا آخدكم إنتو الإتنين وبس..

ـ والله . والله؟

ـ أسمعوا باقي الحكاية.. أنا حآخدكم ونمشي العصرية، وقدلة كدة على القاش.. ونشوف لحظة غروب الشمس..

ـ اللـــــه!! قالت، وقفزت نازك واحتضنته، آآخ يا عمدة، الله يخليك.. أنا نفسي في كدة من زمان... بس ..

ـ مافيش بس ولا حاجة.. وبعدين لسة أصبري شوية.. أنا بعد المناظر الجميلة دي عندي ليكم مفاجأة تانية (أنقروا تطلع إيه)؟

ـ تطلع إيه؟ تطلع إيه؟

ـ لو ما عرفتوها أنا حأبطلها..

ـ لا... لا عليك الله..

وفي الليل الهادي، في (منتزه المدينة)، وحول منضدة طرفية، جلس ثلاثتهم. وبينهم (كبابي الشاي).

ـ عليك الله يا سلمى شربتي شاي جميل زي دة قبل كدة؟

ـ لا.. لا ما أظن.. لا، متأكدة.

ـ وإنتي يا نانا؟

ـ والله يا عمدة أنا أول مرة أحس إني سعيدة كدة.

ـ لا ما بكون أول مرة.. إتذكري.

ـ أووم...

ـ خلاص يا ستي .. عرفتها ..

طبعاً يا جماعة أنا عرفت الحصل لنانا..

ـ وعرفت من وين؟ سألتا بصوت واحد.

ـ مش مهم من وين، لكن يا نانا دة حال الدنيا كدة "يوم تفرِّح ويوم تبكِّي". أنا معاك ومش معترض على أي حاجة إنت عملتيها.. لأني في يوم من الأيام حصلت لي حكاية قريبة زي بتاعتك دي، تتذكروا هدى بت أستاذ منصور الكانوا معانا في الدويم؟

ـ أيوة ..أيوة!!

ـ تتذكروا يوم نقلوهم؟ طبعاً وكت داك إنتو ما بتكونو جايبين خبر. طبعاً يا نانا أخوك كان حابّي هدى (موت). ولمن نقلوهم، وطبعا أخوك مشى البحر وكان عايز ينتحر لكين ربك ستر. وأهو زي ما شايفين أنا قاعد قدامكم.

ـ وهسي نسيتها؟

ـ طبعاً لا، دي حاجة تتنسي؟؟ ياخي لحدِّي هسي لو شفت لي واحدة بتشبهها قلبي يوقع! ‍‍لكين يا ها الظروف.. وطبعاً هي هسي احتمال تكون اتزوجت..

ـ مش معقول!! قالت نازك.

ـ أنا بقول احتمال

ـ وهي كانت بتحبك؟

ـ أيوة ..طبعاً

ـ طيب ليه ما ...

ـ شوفي يا نانا أنا الحاجة البعرفها، الما بقروها في كتاب، إنو الحب دة بجي كدة، لكين بعد داك يحصل شنو. دي مافي قانون يحددها.. المهم الواحد يكون صادق مع حاجاتو الجُّواهو ..

"عشان كدجة إنت جميل" قالت سلمى في منولوجها الداخلي..

ـ شوفوا يا جماعة.. أوع تفتكروا إني عامل العزومة دي وبدردق فيكم..

ـ حتى لو كدة.. إحنا محتاجنك يا عمدة جبنا.. قالت نازك.

ـ شوفي يا ستي.. وأنا في أي مكان والله بفكر فيكم، وبحلم أنكم تكونوا سعيدين.

ـ اللــــه يا عمدة! إنت كلامك حلو.. لكين صلاح ما زيك ليه؟

ـ أيوة. ذكريتيني. أنا شايف صلاح اليومين ديل بجرجر فيكم للجماعة بتاعتهم. على أي حال إذا إنتو مقتنعين إنتو أحرار.. بس في حاجات كثيرة أحسن تعرفوها. أنا غايتو ما عندي كتب ولا حاجة. لكين أهو السوق وصاحباتكم وأصحاباكم لو في، طبعاً أنا ما عندي إعتراض يكون عندكم أصحاب..

ـ عمدة إنتو إجازتكم طويلة؟

ـ خلاص حبيتيني يا نانا؟؟

ـ إنت عارف يا عمدة أنا بحبك من زمان.
ـ الله الله. عشان الكلمة الحلوة دي أنا حأعمل ليكم مفاجأة كل خميس. أما حكاية (الحرس الجمهوري) دي خلوها علي.. ومن هسي أقول ليكم مفاجأة الخميس الجاي.. لأني عارفكم ما حتصبروا. شوفوا، بعد ما ترجعوا من زيارة (سيدي الحسن) ـ طبعاً ما فيش قاش، يعني الحاجة كمان نديها فسحة وما تكون أنانيين ـ وبعد داك أنا حآخدكم ونمشي السينما..
ـ عمدة.. أنا بحلم.. والله أن بحلم!!
ـ أقعدي يا نانا.. إحنا في مكان عام، ولمن نرجع (السجن) نططي زي ما إنتي عايزة.. شفتي (السجن) بقى مهم كيف!؟

... وبعدين ما فيش داعي للعربية... أنا بقول يعني حكاية (العنظزة) بعربات الحكومة دي ما حلوة.. أنا بقترح نمشي برجلينا لحدي السينما..

ـ والله أنا نفسي في كدة من زمان ـ قالت نازك.. وأضافت سلمى:

ـ أنا بكره العربية دي..

ـ لكين أعملوا حسابكم إذا واحد شاغلكم أنا حأشاكل ..

ـ بس ممكن تتعوق يا عمدة!

ـ لا هي حتكون شكلة (كلامية)، لزوم تقاليد يعني، ما هو إنتو لازم تمشوا في الشارع (ويشاغلوكم وكدة) عشان تحسوا إنكم بنات مش داواليب.. أنا آسف على دواليب دي.. والله ما قصدي..

ـ لا تتأسف ولا حاجة. إحنا فعلاً دواليب ـ قالت سلمى.

ـ لا يا ستي.. لا دواليب ولا حاجة.. كل ما في الأمر إنو الحاج والحاجة ديل خايفين عليكم بس بطريقتهم القديمة.. لكين الزمن لازم يغير الحاجات..

ـ بس صلاح بعاملنا كدة ليه؟

ـ أها دي تبقى مشكلة بينكم وبين صلاح ـ تحلوها بطريقتكم.. وعلى رأي المثل: "أي زول بالفي راسو يعرف خلاصو..".

سودانى اصيل is offline  
Old 11-11-2007, 01:22 AM   #45
©~®§][©][ قـ صاعد ـلم][©][§®~©
 

Default رد: رواية الطريق الى المدن المستحيله ،،،،،،،،،



"لو كنت أعرف الطريق، لعدت إلى بيتي.." كانت تلك آخر جملة نطق بها البطل وهو يقود سيارته في طريق طويل يتعرج بين المروج الخضراء في نهاية الفيلم. ظلت الجملة تتردد في خيال جو وهو (مندس) وسط الشحاذين والمتشردين، مستلقياً على كرتونة جلبها من السور المجاور للسينما. وكان يمر في خاطره قطار الأيام، بعد أن هبط من قطار الميجا ذات مساء، والخرطوم تتلألأ أنجمها الكهربائية، وتتطاول وتتعالى مبانيها فوق رؤوس المارة. لم يك يحمل ـ يومذاك ـ من الدنيا إلا ذكريات نون، وأحلام أستاذ عساكر، وحماقات أولاد قرف ووصايا رينقو، بالإضافة لخبرة لا تقل عن أسبوعين بين المينا والسينما، والتجول بين الأطلال في كوستي، ثم ها هو يأكل بقايا الخرطوميين الأقل كرماً. ويشرب بقايا علب السايدر التي يرميها السكارى المترفين من نوافذ عرباتهم في طريق (الكابانا). كان يذهب في الصباح إلى سوق الخضار، فيناديه تجار الملجة: "شيَّالة"، فيجري. "شيل القفة دي" فيشيلها. وقفة قفتين، وتدخل الأوراق السحرية الجيب. أحياناً يغسل العربات. وفي المساء يشتري سجائر وتسالي، ويذهب إلى السينما ويحلم بلقاء رينقو أو أبدللاّهي أساخا أو أي واحد. وهكذا إلى أن إلتقى ذات يوم بمندوكورو في السينما:

ـ عليك الله يا شاب تذكرة واحدة معاك..

ـ كويس..

احتج الشاب الذي يقف وراءه:

ـ شوف يا جماعة، الصف بالله.. والله هسي نخربها.

ـ تخربها في شنو!؟

ـ الزول الإنت زاقيهو معاك دة!؟

ـ زاقيهو بتاع شنو؟

ـ إيوة ..اقيهو.. دة بقول ليك تذكرة معاك؟

ـ وما يقول ياخي إنت مالك!؟

ـ مالي كيف!؟ أنحنا واقفين هنا طراطير؟! تدخلوا لينا في الناس؟

ـ ياخي تذاكر السينما ماشة تكمل!؟

ـ وتتلاءم كمان!؟ أنا حاقطع قدامك.

ـ يا زول زح كدة!

ـ ما بزح.. إنت خول ولاّ شنو؟

ـ خول إنت..

طاخ.. طاخ.. ووجد جو نفسه (مفلوقاً).. فقال مندوكورو:

ـ خلاص سينما دة خليناه، أراح نوديك المستشفى..

فتدخل الشاب الواقف بالقرب منهم:

"شوف.. أحسن تمشي تشتري شاش من الإجزخانة البجاي دي وتربط ليهو راسو وخلاص، هسي تمشي المستشفى يعملوا معاكم تحقيقات و(أورنيك تمانية) و(فانحي ما نجي).."

وبسبب هذه الحادثة، صار لجو بيت في عمارة البنك الجديدة (تحت التشطيب)، وأهل إسمهم (مندكورو). وفي صباح اليوم التالي حدث مندوكورو المقاول:

ـ في واحد أخونا عايز شغل..

ـ طلبة يعني؟

ـ أيوة.. يا هو دة..

ـ أسمع. وإنت الفلقك منو؟

ـ إتشاكلنا مع واحد..

ـ يعني إنت بتاع مشاكل؟

وتدخل مندوكورو(حارس العمارة والمنقولات) الثقة:

ـ لا دة زول كويس.. بس أنا قلت ليهو جيب لي معاك تذكرة في السسينما وحصل مشاكل..

ـ خلاص أمشي وديهو لمعلم (أرارا)..

ومن حي لحي، ومن عمارة لعمارة، مرت الأيام. إلى أن جاء يوم هطلت فيه أمطار سبتمبر غزيرة، وتحولت الخرطوم إلى بركة ماء! كانت الحافلة تقف بجوار مدخل الموقف والركاب يتزاحمون:

"ترمس.. ترمس.."

ـ عبد الله .. عبد الله

ـ أوو ....نور!! وين يا راجل؟ دي أمل تأملو؟ ياخي شنتة بتائك لسة قائد إندي .. أنا نكوسيك كل يوم!!

ـ يا خي شكراً ليك.

وأخيراً ستعود الذكريات الجميلة؛ رسائل نون، ورائحتها..

" اللـــه.." تأوه جو ثم سأل إساخا:

ـ وإنت ساكن وين؟

ـ حاج يوسف ..

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله!!

....

....

وفي الطريق إلى الحاج يوسف:

ـ آها قلت لي كيف أخبار البلد والأهل؟ إنشاء الله بترسل ليهم؟؟

ـ وللاهي زروف هنا كأب .. ولهدي هسة دي ما لمينا شخل واهد.. يا هو كلّو بقت تكمل في أكل وشراب. بس جنيه ولا مية وخمسين كدة نرسلو لجماءة في بلد لما يكون في قتر ماشي.. وإتي ساكن وين؟

ـ تعرف عمارة البنك الجديدة الكبيرة ديك؟

ـ أها.. أها.. أها!! كيف ما نأرفو؟! أنينا نلِفُّو واتا دة كلو.. مش مهل فيهو (كراكة) تويل دة؟

ـ أيوة بس.. الله يفتح عليك. أنا ساكن هناك..

ومن يومها، صار أبدللاهي إساخا يستغل ساعات تسيب سائقي البكاسي (للترطيب) في عمارة البنك في ساعات الذروة ليسلك ترمسه هناك. وبالمرة يلتقي بالصديق جو ليقرأ له الرسائل.

فبعد شهور طويلة من الغياب، هاهي الأوراق التي لمستها الأنامل الرقيقة.. والحروف التي خطتها ـ خاصة حرف الكاف ذو الإلتواءة الصغيرة المميزة ـ والورود المرسومة باللون البنفسجي. وكل أنفاس نون تعود ومعها أشجان الحنين.

في نوفمبر. بدأ مسلسل (أوراق الشتاء). يذكيه ما تم اكتسابه من التجربة وما تمت مطالعته في الكتب والمجلات.

في الحادي عشر من ديسمبر، كان جو كعادته يقلب الصفحة الثانية من جريدة الأيام. ليطالع أسفلها حيث "أين تسهر هذا المساء". وبعد أن حدد فيلم اليوم (الهندي الجبار)، مرر بصره على بقية الجريدة على سبيل تزجية الفراغ، ليرى الصورة والعنوان:

"أمين المنظمات الفئوية والجماهيرية بمديرية كسلا يؤكد وقوف الجماهير مع الثورة"!!

ثم:

"كسلا تعد العدة لاستقبال السيد الرئيس القائد.."!

أثارت صورة الصهر الإنفعال فدق قلبه ولكن خطر له سؤال حول شكل الموقع الجديد لهذا الصهر! ثم علاقته بكل الذي يجري؟ ثم أنتبه لأول مرة إلى المفارقة في الإكليشيهات الجرائدية: فطالما كل رئيس هو قائد بالضرورة، فلماذا الإصرار على (القائد) هذه في حكاية (الرئيس القائد)؟! هذا عوضاً عن أنه لم يسمع أن رئيساً آخر يقال له (الرئيس القائد)!!

في الليل، عاد الحلم القديم.. نون في مكتمل الفضيحة! ولكنها هذه المرة على بوابة عربة تسير عبر الجسر.. وهو يجري.. ويجري.. ويجري. وفجأة دخلت اليد التنينية في المشهد، كورت الضفيرة الخلفية، وأدارات الوجه وحشرته داخل العربة!! كانت العربة كبيرة بحجم القطار!!

ثم صفير ... ثم:

ـ جو.. جو.. جو ...

ـ نو.. نو... نو..

ـ جو.. جو..

ـ نو.. نو..

ـ جو..

ـ نو..



استيقظ وظلت أوتاره مشدودة إلى إن دق المؤذن المايك.. وانتظر أن يسمع صوت عم عبده، ولكن هيهت!

في ما تلا من أيام، تكاثف الجهد في العمل.. وقد تحدث معلم أرارا مع المقاول وحاججه في أن جو صار (معلماً)، وبالتالي ضرورة زيادة مرتبه (اليومية). ولما رآه المقاول وهو في حال:

أنشرك.. أنشرك

أوزنك.. أوزنك

وسمِّرك.. سمّرك، اقتنع بإمكانياته في العمل. بيد أنه لم يزده إلا خمسين قرشاً!! ولما تثيره (رحلات الكد) من توادد، فقد عرف معلم أرارا بالقصة من أولها إلى آخرها.. وحين أسرَّ له جو فكرة الذهاب إلى كسلا ـ تحمس جداً.. وقرر أن يعملا أوفرتايم. وصارا يقضيان النهار بطوله مع صداقة الخشب والمسامير دون كلل أو ملل. وفي نهاية الأسبوع قام معلم أرارا بجمع المرتبين بأوفرتايمهما ووضعهما على كف جو وأغمض له أصابعه عليهما وقال: "الله معاك يا بطل".

يتبع ،،،،،

سودانى اصيل is offline  
 

Thread Tools

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off
Forum Jump


All times are GMT +4. The time now is 05:04 AM.


تركيب وتطوير: محمد هجو الأقرع

Mohammed Hajo Alagraa

Powered by vBulletin® Version 3.7.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات سوداني للأبد